مناقصات الاستباحة

 

في السادس عشر من آب (أغسطس) 2019، قامت دورية تابعة لقوات الأمن العام، المرتبطة بقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، باعتقال الناشط المدني حسن قصّاب من بيته في الطبقة غرب مدينة الرقة. وقد قامت القوات التي اقتحمت البيت بالاعتداء على قصّاب بالضرب، ثم اقتياده إلى مقرها في مدينة الطبقة.

كان قصّاب يعمل حينها في قسم الأبحاث في مشروع فرات، الممول من الخارجية الأميركية، لدعم أجهزة الحوكمة والمجتمع المدني في محافظة الرقة. وقد جاء اعتقاله بعد حوالي أسبوع من اعتقال ناشطين آخرين من مدينة الرقة، هم موظفون ومسؤولون في منظمات مجتمع مدني، تعمل في المدينة ومحيطها لتقديم الخدمات ودعم المجتمعات المحلية في المنطقة.

وقد وجّه محققو الأمن العام، ومن ثم محققون تابعون للتحالف الدولي، تهمة تشكيل خلية أمنية تابعة لتنظيم داعش للناشطين المعتقلين في تلك الحملة، بالتوازي مع تكرار هذه التهمة ضمن تقارير صحفية نشرتها مواقع مقربة من قسد. وعلى الرغم من إخلاء سبيل كل المعتقلين على ذمّة تلك التهم، إلا أن أياً من قسد والتحالف الدولي، الذي ساهم في الاعتقال والتحقيق مع الناشطين، لم يصدروا أي توضيح علني حول ظروف الاعتقال ونتيجة التحقيق، ولم يقدموا أي اعتذار للموقوفين الذين عاشوا محنة هذا الاعتقال الاعتباطي، كما لم يصدروا بياناً يرد الاعتبار للمعتقلين الذين يعانون حتى الآن نتيجة تلك الاتهامات الخطيرة.

يتتبع هذا النصّ مراحل تلك القصة وتفاصيلها من عدة مصادر مستقلة، إضافة إلى الرواية الشخصية لحسن قصاب، الذي يعيش اليوم في صربيا حيث يكمل دراسة الطب. وتم تغيير أسماء المصادر الموجودة داخل سوريا بناءً على طلبهم ولدواعٍ أمنية. وقد راسلت الجمهورية الخارجية الأميركية، الممول الأساسي للمشروع الذي كان حسن قصّاب يعمل فيه، بغرض الحصول على تعليق منها حول القضية، دون أن تحصل على استجابة حتى لحظة نشر هذا النص.

الاعتقال والتحقيق

بعد يوم واحد من زفافه، داهمت دورية من الأمن العام التابع للإدارة الذاتية البيت الذي كان يسكنه الناشط حسن قصّاب في مدينة الطبقة، واعتقلته بعد الاعتداء عليه بالضرب أمام زوجته، وأمام أهل الحي، ثم جرى نقله إلى مقر الأمن العام المرتبط بقسد في المدينة. وبعد يوم واحد من اعتقال حسن جرى اعتقال أحمد الهشلوم، المدير التنفيذي لمنظمة إنماء الكرامة.

قبل اعتقال حسن وأحمد بحوالي الأسبوع، كان الأمن العام قد اعتقلت كل من صلاح الكاطع، مدير المكتب الإعلامي وعضو في مجلس الإدارة في منظمة صنّاع المستقبل؛ وأنس العبو، مدير مشروع السلامة المرورية، وخالد سلامة سعود في قسم المتابعة والتقييم في مشروع السلامة المرورية؛ وإياس العبو، إعلامي منظمة آفاق جديدة. وكلهم ناشطون مدنيون من الرقة، ومنظماتهم تعمل في تنفيذ مشاريع برنامج فرات ذي التمويل الأميركي، الذي يعمل فيه حسن.

في مقر الأمن العام بمدينة الطبقة، قال المسؤولون لحسن إنه مطلوب لقوات التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش، وخلال ساعات جرى نقله بالفعل إلى قاعدة الجزرة العسكرية التي يستخدمها التحالف الدولي بالقرب من مدينة الرقة، لتبدأ الجولة الأولى من التحقيق.

يقول حسن للجمهورية: «قام المحقق باستعراض صور لمنشورات لي على صفحتي الخاصة في موقع فيسبوك، وكانت ضمن حملة قام بها مدنيون من أهالي مدينة الرقة باسم 'التحالف يقتل المدنيين'. كانت تلك الحملة قد بدأت نتيجة سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين أثناء قيام طائرات التحالف الدولي بقصف مواقع لتنظيم داعش».

لم ينكر حسن مشاركته في الحملة، إلا أنّ المحقق انتقل فوراً لاتهام حسن بتمويل تنظيم داعش، وكان وقع هذا الاتهام غريباً على حسن، الذي يعمل منسقاً في برنامج مُموَّل من الخارجية الأميركية. وقد وجه له المحقق تهماً بتكوين خلية امنية تتبع تنظيم داعش، تريد تفجير مبنى الأمن الداخلي المرتبط بقسد في الطبقة. بعد التحقيق، أُعيد حسن إلى سجن عايد وهو مقر الأمن العام في اليوم نفسه.

في مقر الأمن في الطبقة، قام محققون يتبعون للأمن العام بالتحقيق مع حسن ورفاقه، وبدت أسئلتهم مختلفة تماماً عن أسئلة المحقق الأميركي خلال المرحلة الأولى من التحقيق، إذ جرى سؤال كل من حسن وعدد من زملائه عن علاقتهم بخلايا النظام السوري، ومن ثم عن علاقتهم بتركيا وفصائل منطقة عملية درع الفرات، وعن علاقتهم بالمخابرات البريطانية، وأخيراً عن حقيقة استلامهم مبلغ خمسة ملايين دولار من الموساد الإسرائيلي. يضحك حسن خلال حديثنا: «كنت أظن أنّ حديثهم نكتة. الموساد ودرع الفرات والنظام معاً!».

بعد ذلك، جرى إخبار حسن وزملائه أنه سيجري تحويلهم إلى دولة أجنبية لمتابعة التحقيق معهم، وقد تعامل حسن، حسبما يذكر في حديثه، ببرود شديد مع الموضوع، وبدأ بتجهيز نفسه. بعد حوالي أربعة أيام، جرى نقل حسن مجدداً من سجن الأمن الداخلي إلى مكتب رئيس إدارة التحقيق في الطبقة، ليلتقي في مكتبه ثلاثة محققين أميركيين، قالوا له إنهم سيبدأون إجراءات التحقيق مجدداً ومن الصفر. طلب المحققون كلمات المرور الخاصة بحسابات حسن على فيسبوك وتلغرام وسكايب والبريد الإلكتروني الخاص به، وجرى سؤاله عن عدد من الأشخاص غير المعروفين بالنسبة له، من بينهم شخصٌ اسمه محمد صباح، لم يتعرف عليه حسن.

في هذه الأثناء، وخلال فترة وجود حسن في سجن قسد في مدينة الطبقة، وبالإضافة للمعتقلين الآخرين الفاعلين في منظمات مجتمع مدني رقّية، جرى اعتقال عدد من المدنيين على ذمة القضية ذاتها، يعمل أحدهم سائقاً وآخر يعمل ميكانيكياً، وجرى التحقيق معهم ومواجهتهم مع أحمد الهشلوم وجمال المبروك خلال اعتقالهم الثاني للتعرف عليهم، وقد أكّد المعتقلون عدم معرفتهم بأحمد وجمال.

خلال التحقيق أيضاً، سُئِل حسن عن عدد من زملائه الذين لم يعرف أنهم معتقلون، مثل المهندس جمال المبروك، منسق مشروع فرات والمسؤول عن العلاقة مع المجالس المدنية؛ كما سُئل عن الناشط نزار العكلة، الذي اعتقل لاحقاً في حملة الاعتقال الثانية خلال شهر شباط 2020.

بعد فترة، بدلاً من إرسالهم إلى دولة اجنبية كما قال عناصر الأمن، نُقِل حسن إلى إدارة الأمن العام في كوباني شمالي شرق محافظة حلب، لتبدأ جولة جديدة من التحقيق. هناك، قامت لجنة تضم عدداً من المحققين الأميركيين بإعادة التحقيق مع حسن، وطُلب منه سرد سيرة حياته كاملة. كانت تلك الجلسات المطولة غير واضحة المعالم، ولم يجرِ إخبار حسن طوال تلك الفترة بالتهمة الرسمية التي اعتقل بناءً عليها من قبل الأميركيين، وعدا الاتهامات الشفهية التي وجهها له محققو الأمن التابع لقسد والمحققون الأميركيون في الطبقة، لم توجَّه لحسن اتهامات واضحة، ولم يُبلّغ بالفترة التي سيقضيها، ولم يستطع التواصل مع أهله أو مع وكيل قانوني لتقديم المساعدة، كما أنّه لم يُعرَض على أي جهة قضائية.

ضمن هذه الظروف، فإن الوضع الذي عاشه حسن وزملاؤه تنطبق عليه الصفة القانونية للإخفاء القسري، عندما حُرِمَ من التواصل مع العالم الخارجي، وحُرِمَ من المساعدة القانونية، ولم تُوجَّه له أي تهم رسمية وفق محاضر مسجلة. كان المحققون يأتون ويذهبون، ويبقى حسن متروكاً لأيام وأسابيع في سجون إدارات الأمن.

بعد عشرة أيام من نقله إلى كوباني والتحقيق معه من قبل اللجنة الأميركية، عاد محقق من اللجنة ليحقق مجدداً مع حسن. في هذه الجلسة، بدا أنّ المحقق، بحسب حسن، كان أكثر انفتاحاً على الحديث، إذ قال له إنّه هناك فعلاً بطلب من التحالف، إلّا أنّ التحالف طلبه بناءً على تقرير أمني أتاه من قسد، كما ألمَحَ له أنّ مشكلاته مع المتعهدين المرتبطين بقسد كانت هي السبب وراء اعتقاله.

وقد حصلت الجمهورية على معلومات من مصدر مستقل، تؤكد أنّ التحالف يقوم فعلاً بعمليات اعتقال وتحقيق بناءً على تقارير أمنية تأتيه من قسد.

انتهى التحقيق مع حسن بتاريخ 2 تشرين الأول (أكتوبر) 2019، قبل أيام من بدء تركيا العمليات العسكرية في الجزيرة السورية، والتي أدت إلى أوضاع كارثية إنسانياً، ونزوح أعداد كبيرة من السكان؛ فيما أدت قرارات الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتفاعلة مع إرهاصات العملية التركية إلى انسحاب القوات الأميركية من مدينة كوباني، ما خلق بلبلة أدت إلى قيام قسد بإخلاء سبيل معظم المسجونين في السجن الذي كان يُحتجز فيه حسن وعدد من النشطاء، إلا أنّ هؤلاء ظلوا فيه لفترة أطول، نُقِلوا بعدها إلى مدينة الطبقة مجدداً، بعد توقيع الاتفاق بين قسد وموسكو على نشر قوات روسية في كوباني.

وتفاجأ حسن بأن الأمن يريدون التحقيق معهم مجدداً على الرغم من جلسات التحقيق مع مندوبين من التحالف، إلا أنّ الأمن العام حقّق مع حسن وعدد من زملائه، وكانت التهم هذه المرة عن علاقتهم بصفحة الرقة تُذبح بصمت، وهي صفحة يديرها ناشطون من مدينة الرقة، بدأت بالعمل خلال سيطرة تنظيم داعش على المدينة لفضح انتهاكات التنظيم، والإضاءة على الأوضاع في المدينة. ولا تحظى الصفحة اليوم بعلاقة جيدة مع سلطة الأمر الواقع في المحافظة.

بعد حوالي 76 يوماً من الاعتقال، جرى الإفراج عن حسن قصّاب وأحمد الهشلوم في التاسع والعشرين من شهر تشرين الأول (أكتوبر) 2019، من خلال تسليمهم لمجلس الرقة المدني. وقد قامت الرئيسة المشتركة للمجلس ليلى مصطفى باستقبالهم بحضور حسن زوهات، أحد المسؤولين الكبار في الإدارة الذاتية. وفي اللقاء، يقول حسن، «توجَّه حسن زوهات لي بالحديث، وقال إن الخارجية الأميركية تعيّن أشخاصاً لا نعرفهم، وعندما يُعتَقلون يُريدون منا أن نخرجهم. كيف ونحن لا نعرفهم؟ في إشارة إلينا. عرفتُ عند ذلك أنّ هذه رسالة غير مباشرة لترك العمل المدني في الرقة».

بعد يومين، كان حسن قد وصل مدينة أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق، ليسافر بعدها إلى صربيا، مقر جامعته التي يكمل فيها الآن دراسة الطب، بعد أن عرف أن زميله في مشروع فرات، المهندس جمال المبروك كان قد اعتقل قرابة الأسبوعين. وقد قدَّم َحسن استقالته إلى مؤسسة كرييتف، الجهة المنفذة لمشروع وزارة الخارجية الأمريكية فرات في مدينة الرقة، والذي عملَ فيه كمنسق للمشروع مع المنظمات ومن ثم مسؤولاً في وحدة الأبحاث، دون أن يحصل حتى اللحظة على مستحقاته المالية لأشهر عدة سبقت اعتقاله.

وبعد سفر حسن، قامت قوات الأمن التابعة لقسد خلال شهر شباط 2020 باعتقال أحمد الهشلوم وجمال المبروك للمرة الثانية، واعتقلت معهم للمرة الاولى كلّاً من نزار العكلة وعمر الخمري، ليجري إطلاق سراحهم بعد أكثر من شهر في نهاية آذار (مارس) الماضي. 

تقارير صحفية تسبق التحقيقات

في التاسع عشر من شهر آب 2019، بعد ثلاثة أيام على اعتقال حسن قصّاب ويومين على اعتقال أحمد الهشلوم، نشر موقع نورث بريس، ومقره واشنطن، تقريراً قال فيه أنّه حصل على وثائق خاصة تفيد بأن قوات مكافحة الإرهاب التابعة لقوات الأمن الداخلي في الرقة قد اعتقلت زعماء تنظيم داعش في الرقة، متهمة كل من حسن قصّاب وأحمد الهشلوم، بالاسم، بأن الأول زعيم تنظيم داعش في الرقة والثاني هو رئيس ما أسمته «مجلس شورى داعش في سوريا»، وأنّ هذه الخلية التي تتبع لهم كانت تعد لتفجيرات ضد مقرات أمنية للأسايش في مدينة الرقة.

وتمّ ذكر اسم محمد صباح في التقرير، وهو الاسم الذي ذكره محققو الأمن ومحققون أميركيون أمام حسن في التحقيق الأول، ما يشير إلى أنّ مصدر المعلومة واحد.

وأفاد مصدر خاص للجمهورية أن موقع نورث برس مقرب من قيادة قسد، ويتم الاعتماد عليه لتسريب معلومات تريد قوات سوريا الديموقراطية نشرها بشكل غير رسمي. الاتهامات التي نشرها التقرير تتضارب مع كل المعلومات عن تنظيم داعش في سوريا، إذ لا يوجد اليوم ما يسمى مجلس شورى سوريا، بل يوجد مجلس قيادة مشتركة باسم اللجنة المفوضة، يتوزع أعضائه في مناطق متباعدة جغرافياً، كما ينتمون جميعاً للجنسية العراقية. وقبل هذا التضارب، وبناء على ما نعرفه عن التنظيم وما توضحه العمليات الاستخباراتية التي يتم  الإعلان عنها، فإن سياق اعتقال الناشطين واطلاق سراحهم ينفي تلك التهم التي تمّ الترويج لها من قبل الإعلام المقرب من قسد، والتي تتحدث عن كونهم قيادات تنظيم داعش في الرقة، فيما يؤكد هذا السياق الاستخدام الكيدي لتلك التهمة في سبيل إبعادهم عن العمل العام.

وقد حصلت الجمهورية على معلومات من مصدر مقرب لعدد من صحفيي موقع نورث برس، تفيد بأنّ التقرير المذكور قد أتى مع إيعاز بالنشر من دون تعديل من مخابرات قسد، التي تمتلك نفوذاً على تمويل الموقع. وقد قال المصدر للجمهورية بأنّه بعد الضغط على عدد من صحفيي الموقع، قاموا بنشر التقرير كما أتاهم من قسد.

الصراع على المجتمع المدني

مع تحرير مدينة الرقة من تنظيم داعش، وسيطرة قوات سوريا الديمقراطية باعتبارها سلطة الأمر الواقع في المدينة، وتأسيس مجالس مدنية مرتبطة بها وإن كانت لا تتبعها بشكل رسمي، قامت الخارجية الأميركية من خلال مكتب الشرق الأدنى بإنشاء برنامج لتمويل منظمات المجتمع المدني ومجالس الحكم المحلي في مدينة الرقة، لإعادة الحياة إلى المدينة المدمرة تماماً بفعل المعارك العنيفة مع تنظيم داعش، والقصف الجوي والمدفعي الواسع الذي تعرّضت له المدينة أثناء حملة قوات سوريا الديمقراطية والتحالف الدولي الداعم لطرد داعش منها.

حينها، انطلق برنامج فرات، الممول من الخارجية الأميركية، والذي تنفذه منظمة كرييتف الأميركية، كأحد أهم البرامج التي تقوم بدعم المنظمات المحلية ومجلس الرقة المدني، لتقديم الخدمات مثل الكهرباء وإعادة تأهيل الطرقات، وغير ذلك من المشاريع الخاصة بالبنية التحتية.

في آب (أغسطس) عام 2018، كما علمت الجمهورية من عدة مصادر مستقلة، أعلن برنامج فرات من خلال منظمة محلية، هي منظمة إنماء الكرامة التي يعمل أحمد الهشلوم مديراً تنفيذياً لها، عن مشروع لاستقدام مولدات كهرباء من أجل تخديم مدينة الرقة. جرى الإعلان عن مناقصة وفق شروط فنية معينة، وتقدمت شركة تحمل اسم روج آفا ضمن عدد من المتقدمين، وبعد خسارة الشركة للمناقصة، قرّر مجلس الرقة المدني إلغاء المناقصة وعقدها من جديد، كما جرى استدعاء كل من حسن قصّاب وأحمد الهشلوم وآخرين إلى مقر المجلس المدني في الرقة، وتعرضوا لإزعاجات حول الموضوع، حسبما ذكر حسن وأكدت المصادر للجمهورية.

في شهر تموز (يوليو) 2019، أعلن برنامج فرات عن مشروع لترميم الطرقات في مدينة الرقة، ورصد مبلغ مليون دولار أميركي للمشروع، الذي أُعدّ على أساس مناقصات فرعية خاصة بكل طريق في المدينة ومحيطها. في المناقصة الأولى، التي فاز بها متعهد من مدينة الرقة، كانت شركة الإنشاءات العامة المقربة من قسد قد خسرت فرصتها في الدخول ضمن هذا المشروع.

يقول حسن قصّاب عن الموضوع: «تمّ الطلب منا بشكل مباشر أن نعطي المشروع لشركة الإنشاءات العامة (شركة الشمال) بتعاقد مباشر دون مناقصة، بالطبع رفضنا هذا الطلب الذي قدّم إلينا قبل فترة قصيرة من اعتقالي».

يتحدث سامي (اسم مستعار)، أحد العاملين في القطاع الإنساني في الجزيرة السورية: «عندما علمتُ بخبر اعتقال ناشطي الرقة، عرفتُ أنّ قسد قد انتصرت وستفرض سيطرتها بالكامل على كل منظمات المجتمع المدني والمنظمات الإنسانية العاملة في المنطقة. ستكون هي المورد الأساسي والمتعهد الوحيد، وهو ما واجهناه سابقاً في القامشلي والحسكة». يتابع سامي حديثه بأن الولاء لقسد أصبح أساسياً كي يُتاح لك العمل في القطاع الإنساني، وإلا فإنك ستواجه مصاعب كبيرة للغاية.

كان الوضع مختلفاً قبل ذلك كما يذكر سامي، إذ كانت هناك بعض الهوامش للعمل، إلا أنّ اعتقال ناشطي الرقة كان نهاية مرحلة، حسبما قال في حديثه للجمهورية.

خلال استكمال مشروع الطرقات، الذي بدأ في الشهر السابع واستمرّ العمل فيه  حتى نهاية العام 2019، رست إحدى المناقصات التي يديرها مجلس الرقة المدني على متعهد اسمه زهير صالح حسو، وخلال عمله على تنفيذ المشروع، قام المهندس جمال المبروك بمراجعة الشروط الفنية لمادة الزفت التي يقوم المتعهد باستخدامها، والتي لم تكن متوافقة المواصفات المطلوبة، وبعد أيام من مراجعة المهندس جمال المبروك للمتعهد وطلبه تعديل مواصفات المواد، جرى اعتقال المبروك للمرة الأولى في شهر تشرين الأول (أكتوبر).

يقول محمد العبد الله، مدير المركز السوري للعدالة والمساءلة في حديثه للجمهورية: «إذا كانوا زعماء تنظيم داعش في سوريا، لماذا أخرجتموهم من السجن؟ كل المؤشرات تدل على أنّ تلك التهم ملفقة، خاصةً وأنّ جميع المعتقلين كانوا على رأس أهم منظمات المجتمع المدني في الرقة، وكما تعلمون، فإن المجتمع المدني، الذي يقدم خدمات تنافس الإدارات المحلية التابعة لسلطة الأمر الواقع، يشكل خطراً عليها إذ باستطاعته أن يكون بديلاً عنها».

يؤكد العبد الله أن وزارة الخارجية والمبعوث الأميركي إلى سوريا جيمس جيفري كانوا يعلمون بالوضع، وقالوا إنهم يتابعون القضية، وسيعملون على إطلاق سراح النشطاء، وهو ما يدل على معرفتهم أن المعلومات تلك كانت ملفقة، لكن للأسف جرت التضحية بهؤلاء النشطاء وإخراجهم من عملهم لصالح التوافق مع قسد.

أظهرت المعلومات التي استطعنا الحصول عليها تناقض الاتهامات الموجهة للناشطين الذين جرى اعتقالهم، كما يثير التزامن بين الخلاف على مناقصات مشاريع البنية التحتية والاعتقالات كثيراً من الشكوك حول الارتباط بين الأمرين. أما المجتمع المدني في الرقة، فيبدو أنه قد شهد أيام هامش الاستقلالية المحدود الأخيرة قبيل اعتقال كل من حسن وأحمد وجمال وصلاح وأنس وخالد وإياس وعمر ونزار.

إلا أنّ التحرك الذي أنهت فيه قسد تلك الأيام لم يكن مقتصراً على إبعاد هؤلاء الناشطين، بل شملَ التشهير بهم ونشر معلومات مغلوطة عنهم، لم يتم التراجع عنها حتى هذه اللحظة بالرغم من اطلاق سراحهم وثبوت عدم ارتباطهم بأي مما تمّ زعمه سابقاً.

كانت قسد إذاً قادرة على تلفيق تهمة الانتماء لتنظيم داعش بسهولة أمام التحالف الدولي والولايات المتحدة، ولا يبدو من سياق القصة أن هناك أدلة واضحة قدمتها للتحالف تفيد بتأكيد تلك المعلومات. لم يُقابَل استخدام هذه التهمة الجاهزة لتغييب وإبعاد ناشطين مدنيين في أي لحظة بأي اعتراض واضح من الولايات المتحدة، التي صمتت على الاعتقال وإجراءاته المذلة، وعلى التشهير العلني بهؤلاء الناشطين، بحيث يظهر واضحاً أن الاستخدام الكيدي لتهمة الانتماء أو التعامل مع تنظيم داعش لا يسبب أي مشكلة في العلاقة بين قسد وواشنطن، وذلك على الرغم من التبعات الكارثية على حياة هؤلاء الشبان الذين كانوا يعملون بنشاط في خدمة مجتمعهم، وعلى مجمل الأوضاع العامة في المنطقة.