من يستحق اللجوء ومن لا يستحقه؟

 

تنشغل الأوساط السياسية في دول كثيرة بمعضلة اللاجئين السوريين، وسط محاولات حثيثة من قوى يمينية وجهات حكومية للوصول إلى صيغة قانونية تسمح بالتخلص من أكبر عدد ممكن منهم، سواء في ألمانيا أو تركيا أو لبنان أو الدنمارك أو غيرها. وتثبت لنا السياسات اليمينية يوماً بعد يوم أنه لا يوجد حجة قانونية متماسكة يمكن الاستناد إليها لتبرير فعل الترحيل الجماعي لفئة من البشر، والحجة الوحيدة التي تتذرع بها هذه الحكومات والأوساط اليمينية هي حماية الدول والمجتمعات المستضيفة، ما ينتهي إلى أن يكون خطاباً عنصرياً صريحاً، لا يجدون حاجة حتى لتبريره في حالات كثيرة. ولكن الأشد بؤساً هو تبرير فئات من اللاجئين أنفسهم لإجراءات الترحيل ضد لاجئين آخرين، وذلك من خلال خطاب عنصري «داخلي» إن صح التعبير، صادر من لاجئين ضد لاجئين آخرين.

مثلاً، عند متابعة صفحات أنشأها لاجئون سوريون في ألمانيا على موقع فيسبوك، نجد أنها تضج بالتعليقات والآراء الشخصية المختلفة في كل مرة يصدر فيها قرار جديد يخص اللجوء السوري في ألمانيا، أو عند تداول أخبار عن حادثة حصلت مع أحد السوريين في مكان ما في ألمانيا، وأخيراً فيما يخص مسألة الترحيل؛ ويلاحظ المتابع انقساماً بين المعلقين على هذه الصفحات، فمنهم من يفسر هذه الإجراءات بالعنصرية الألمانية، ومنهم من يلقي اللوم على بعض تصرفات السوريين التي يعتبرونها استفزازية حتى لو كانت لا تخرق القانون، لتتحول هذه الصفحات إلى حلبات مصارعة، تفضح خطاباً عنصرياً لا يختلف في جوهره كثيراً عن الخطاب الذي تستند إليه التيارات اليمينية التي تطالب بترحيل اللاجئين.

ارتبطت تهديدات الترحيل في ألمانيا خلال السنوات السابقة بمسألة الاندماج، وكان شبح الاندماج متعلقاً بشكل أساسي بتعلم اللغة الألمانية والانخراط بالمجتمع الألماني، بحيث أن كل من لا يتمكن من الاندماج سيواجه خطر الترحيل في النهاية. وبالإضافة إلى المشكلة العميقة التي تكمن أصلاً في مفهوم الاندماج نفسه، الذي يبدأ من مسائل اللغة والانخراط في سوق العمل ليصل إلى إعادة تشكيل السلوكيات الاجتماعية وعادات الملبس والطعام والشراب، فإن نقاشات اللاجئين السوريين فيما بينهم تشير إلى نظرة دونية لا تقل عنصرية تجاه بعضهم بعضاً، يبدو ظاهرياً أنها تستند إلى التفوق في الاندماج أو التطور السريع في الحياة الجديدة، لكنها تعكس في مستوياتها العميقة تمييزاً على أسس طبقية أو اجتماعية أو ثقافية أو طائفية، بحيث تنتهي إلى التمييز بين أشخاص تليق بهم الحياة في أوروبا وآخرين من لا تليق بهم، أو بين من يستحقون اللجوء ومن لا يستحقونه.

ولا ترتبط عملية الاندماج بالحياة الجديدة للاجئين فقط، بل يبدو واضحاً أنها تتأثر بمجموعة عوامل سابقة تعود إلى ظروف حياتهم في سوريا في مراحل سابقة. ولا ينفصل التفوق في تلبية متطلبات الاندماج عن أوضاع الأفراد وعائلاتهم في سوريا قبل اللجوء، إذ يلعب المستوى التعليمي، لا سيما في مجال اللغات الأجنبية، دوراً بالغ الأهمية في تسهيل اندماج بعض الأفراد ودخولهم في سوق العمل مقارنةً بغيرهم. وليس مصادفة أن الأفراد من مستويات تعليمية أدنى هم من الطبقات الأفقر في المجتمع السوري، وليس مصادفةً أنهم أيضاً أبناء المناطق التي تضررت أكثر من غيرها نتيجة عمليات النظام الحربية، وبالتالي فإن هؤلاء الأقلّ «اندماجاً» هم في الغالب الأكثر حاجة للجوء والحماية والدعم.

ربما يعترف بعض السوريين الذين يستخدمون خطاباً تمييزياً بأن الأفراد الأقل تلبية لمتطلبات الاندماج قد يكونون الأكثر حاجة للحماية في الواقع، لكنهم في الوقت نفسه يستخدمون خطاباً يتعلق بأن هؤلاء لا يستحقون العيش في أوروبا، كونهم غير قادرين على تلبية متطلبات العيش فيها بالسرعة الكافية، ليبدو الأمر كما لو أنهم يعتبرون اللجوء ميزة يحصل عليها الأشخاص الأكثر قدرة على التعلم والاندماج، متجاهلين أن حق اللجوء هو بالدرجة الأولى حق يُمنح للأفراد الفارين من بلادهم لأسباب سياسية أو إنسانية، وهو بالدرجة الثانية تسوية قانونية يُمنح طالبو اللجوء بنتيجتها أوراقاً ثبوتية من أجل حماية حقوقهم المدنية، وليس من الصواب بأي حال ربطه بمستوى التعليم أو الاندماج الاجتماعي والاقتصادي، الأمر الذي ينتهي إلى وضع قضية تعلم اللغة الألمانية والانخراط في سوق العمل في مقابل مسألة حياة أو موت هذه الفئة من الناس في حال تم ترحيلهم.

على المقلب الآخر، نلاحظ من خلال النقاشات على صفحات التواصل الاجتماعي انزعاجاً واضحاً غير مبني على فروقات تمييزية عنصرية هذه المرة، بل يتعلق بكيفية استخدام بعض الأفراد للحقوق التي يمنحها اللجوء لهم، والتي توصف من قبل البعض بأنها انتهازية، بينما يبررها آخرون بالحاجة المادية التي قد تدفع مثلاً بعض اللاجئين إلى تحقيق مكاسب مادية إضافية من الدولة الألمانية، من خلال أساليب باتت مكشوفة لأغلب السوريين في ألمانيا، ومنها على سبيل المثال المماطلة بالذهاب إلى مدارس اللغة بحجة عدم التمكن من التعلم، وبالتالي الاستفادة لأكبر وقت ممكن من مساعدات الدولة؛ أو من خلال تأجير غرف في البيوت المخصصة لهم من الدولة الألمانية، وغيرها من السلوكيات المماثلة التي تجعل بعض الغاضبين يطالبون بحرمان هؤلاء من اللجوء وترحيلهم.

لكن تحولات بدأت تحدث مؤخراً فتحت نقاشات جديدة على مواقع التواصل الاجتماعي، وهي أن الحديث حول مسألة الترحيل بدأ في الأشهر الأخيرة يتجاوز مسألة الاندماج ليصل إلى مسألة التطورات العسكرية في سوريا، ويبدو ذلك واضحاً في التصريح الأخير لوزير الداخلية الألماني هورست زيهوفر في الأسبوع الماضي، عندما أعلن عن نية الحكومة الألمانية ترحيل كل لاجئ سوري تثبت زيارته لسورية بعد أن فرّ منها بسبب الحرب في السنوات السبعة الأخيرة. وليس هذا أمراً جديداً، بل هو أصلاً أمرٌ متضمن في قوانين تنظيم حق اللجوء في ألمانيا، لكن الجديد في الأمر هو التصريح عن هذا الإجراء، وربطه بالحديث عن وجود مناطق آمنة في سوريا.

وتشكل تصريحات وزير الداخلية الألماني تهديداً صريحاً لفئة من اللاجئين، يستفيدون من حق اللجوء ويذهبون في الوقت ذاته في زيارات إلى سوريا لأسباب مختلفة، وذلك عن طريق السفر إلى إيران ومنها إلى بيروت عن طريق شركة الطيران السورية أجنحة الشام، التي تضمن للاجئين السوريين العبور إلى سوريا دون وضع ختم دخول الأراضي السورية على جوازات سفرهم. وما يخشاه كثيرٌ من اللاجئين السوريين أنه إذا كانت الأحزاب الألمانية اليمينية قد عجزت سابقاً عن تحديد المناطق الآمنة في سوريا أثناء الاقتراحات المتكررة التي قدمتها للبدء بترحيل اللاجئين السوريين، فإنها قد تستطيع تحديد المناطق الآمنة المفترضة من خلال معرفة المناطق التي زارها السوريون الحاصلون على حق اللجوء.

نتيجة هذه المخاوف، تم توجيه أسوأ الاتهامات لهذه الفئة التي تحمل إقامات لجوء وتمضي عطلتها في سوريا سراً بحيث لا تنقطع عنهم مساعدات الدولة الألمانية، ووصل الأمر إلى حد التبليغ عنهم لدوائر الهجرة في ألمانيا. ويمكن فهم هذه الاتهامات وهذا الغضب بسبب الضرر الذي قد يلحق بفئة واسعة من اللاجئين المطلوبين لأسباب أمنية أو لخدمة العلم، لكن هناك آراء أخرى تنطلق من الدفاع عن حق حرية التنقل المطلق الذي ينبغي أن يكون مكفولأً لكل البشر، بما فيه زيارة بلدانهم الأصلية دون أن يخسروا حق الإقامة في البلدان التي لجأوا إليها، أو تستند إلى أن بعض هؤلاء لديهم أسباب قاهرة فعلاً تدفعهم إلى زيارة سوريا، دون أن يكون ممكناً بالنسبة لهم مواصلة العيش فيها بشكل دائم.

ليس من السهل فعلاً أخذ موقف حاسم من هذا النقاش، لكن ضمن الظروف الراهنة، وضمن منطق قانون اللجوء في ألمانيا، سيكون صعباً أن نتجاهل أن هذا السلوك يبدو انتهازياً ومؤذياً جداً في أحيان كثيرة، خاصة عندما يصدر عن أشخاص يريدون زيارة سوريا سراً بشكل متكرر لقضاء العطلة فيها، وفي الوقت نفسه لا يزالون يحصلون على مساعدات يبدو غيرهم أحق ّبها، وفي وقت يؤدي سلوكهم هذا إلى تهديد الوضع القانوني لعشرات آلاف اللاجئين الذين قد يعني الترحيل إلى سوريا بالنسبة لهم موتاً محتوماً. 

بعيداً عن الإدانة وتوزيع الاتهامات، وبعد متابعة هذا الكم الهائل من التعليقات المنشورة على صفحات اللجوء على موقع فيسبوك، يبدو واضحاً أنه أصبح من الضروري للاجئين السوريين في ألمانيا تطوير خطاب داخلي فيما بينهم، إنساني ومتفهم للحالات الفردية من جهة، وواعٍ لبنية الدولة والنظام الاقتصادي والقانوني الألماني الذي صاروا جزءاً منه من جهة أخرى.