مُهجّرون يرفضون التوطين في عفرين

 


يعيش المهجرون قسراً من أنحاء سوريا إلى منطقة عفرين، التي تسيطر عليها فصائل عسكرية مدعومة تركياً، حالة من القلق والتخوّف نتيجة ما يعتبرونه «خطر ضياع هويتهم»، وذلك بعد إيقاف عمل المكاتب التي كانت تشرف على إدارة أمورهم، وإلزامهم باستصدار بطاقات تعريفية جديدة، كي يكون مسموحاً لهم التنقل والاستفادة من الخدمات العامة والإغاثية في المنطقة.

في السابع عشر من شهر أيار الماضي، أبلغَ المجلس المحلّي في عفرين مكاتبَ إدارة شؤون المهجرين شفهياً بإيقاف التعاون معها، وتمّ إخطار هذه المكاتب بالقرار بوجود مندوب عن الحكومة التركية، وهو ما دفع القائمين على هذه المكاتب إلى تفسير القرار بأنه راجع «لأوامر تركية». ويتضمن القرار عدم الاعتراف بالأوراق والبيانات الصادرة عن هذه المكاتب، والاعتماد عوضاً عنها على بيانات وأوراق صادرة عن «مخاتير الأحياء»، الذين تم تعيينهم من قبل المجالس المحلية في عفرين، وبالتوافق بين سكان هذه الأحياء الأصليين، دون أي تمثيل أو دور للمهجرين في ترشيح هؤلاء المخاتير أو تعيينهم.

قوبل هذا القرار الشفهي بالرفض من قبل المهجرين، وخرجت عدة مظاهرات في الأيام التي تلته، حيث شهد يوما الثامن عشر والتاسع عشر من أيار الماضي احتجاجات طالبت بإعادة عمل المكاتب وتفعيل دورها. وتتبع هذه المكاتب، التي تُعرف بالمكاتب الثورية، لمجالس المحافظات المشكّلة بقرار من وزارة الإدارة المحلية في الحكومة السورية المؤقتة، وتم تشكيلها اعتماداً على ترشيحات من أبناء المحافظات، لتقوم من خلال مكاتبها (الإحصائي – الإغاثي – الأحوال الشخصية) بتنظيم الحياة العامة للمهجرين قسراً، وتوثيق أوضاع عائلاتهم وإصدار بيانات الأحوال الشخصية وتنسيق الأمور الإغاثية والتعليمية مع الجهات المختصة، وهو ما يعني أن هذه المكاتب دوائر رسمية تابعة للحكومة المؤقتة، التي يفترض أن الحكومة التركية تعترف بها، الأمر الذي يترك الباب مفتوحاً على سؤال كبير حول الجهة التي تملك الحق أصلاً في إلغائها، وحول شرعية هذا الإلغاء.

وقد حدّدَت المجالس المحلية في عفرين أسباب قرار إلغاء عمل هذه المكاتب بورود بعض الأخطاء في البيانات الصادرة عنها، وذلك بحسب خالد الخطيب عضو مجلس محافظة القنيطرة، الذي وصف في حديث له مع الجمهورية هذا التبرير بأنه «يفتقر للصحة»، مؤكداً وجود بعض الأخطاء بسبب غياب الدعم بشكل شبه كلي عن هذه المكاتب، إذ أنها لا تملك أبسط مقومات العمل الضرورية من كمبيوترات وطابعات وسجلات الكترونية، وتعتمد في عملها على السجلات الورقية، ما يجعل تبادل البيانات بين المكاتب أمراً بالغ الصعوبة، مضيفاً أن هذه المكاتب «تعمل دائماً على تحري الدقة وتصحيح كافة الأخطاء التي ترد إليها».

ويبرر المهجرون رفضهم لهذا القرار بالتخوفات من إتباعهم لمخاتير يجهلون المناطق التي تم تهجيرهم منها، وما قد يؤدي إليه هذا من تزوير أو ضياع في المعلومات، إذ صار بالإمكان من خلال شاهدين فقط توثيق تبعية واسم أي شخص لأي منطقة دون التحري والتدقيق. ويقول حاتم الدمشقي، ناشطٌ مدنيٌ مهجّرٌ من حي التضامن في دمشق، إن هذا الأمر يؤدي إلى مشاكل خطيرة، وإنه وصل إلى حدّ «إصدار شهادات وفاة لأشخاص ما يزالون على قيد الحياة، بغرض الاستفادة من كفالة الأيتام والمساعدات المقدمة من بعض المنظمات»، وهو ما يؤكده خالد الخطيب أيضاً؛ في حين أن «أعضاء المكاتب الثورية هم أشخاص من المهجرين أنفسهم، ومن أبناء المناطق التي تم تهجيرهم منها، وهم على علم ودراية بمعظم السكان وأصولهم وكل ما يتعلق ببياناتهم العائلية».

أسفرت مظاهرات المهجرين واحتجاجاتهم عن اجتماع ممثلين عن المكاتب الثورية لعدة محافظات (حمص – حماة – القنيطرة – ريف دمشق) مع والي عفرين، بحضور مدير المخابرات التركية في المنطقة وممثلين عن مجالس عفرين المحلية ورامي طلاس رئيس الشرطة المدنية في عفرين. وقد نقل ممثلو المكاتب خلال الاجتماع مخاوف الأهالي، ليتم إلغاء القرار والسماح بعودة المكاتب إلى العمل، مع اعتبار أن البيانات الصادرة عنها غير ملزمة، وهو ما يعني «عدم الاعتراف الرسمي بها» بحسب خالد الخطيب، الذي يقول إن مجالس عفرين المحلية ترفض حتى اللحظة جميع البيانات الصادرة عن المكاتب الثورية، وتستبدلها بأخرى صادرة عن المخاتير أو المجلس المحلي في عفرين، الأمر الذي يعتبره «ترسيخاً لقرار عدم الاعتراف بها»، متسائلاً: «كيف يتم الاعتراف بجميع الوثائق الصادرة عن حكومة النظام، وتُرفض بيانات المكاتب الثورية؟!».

ولكن ليس إبطال دور مكاتب إدارة شؤون المهجرين وحده ما يقلق المهجرين قسرياً، وإنما البطاقة التعريفية الجديدة التي تم إلزام سكان المناطق الخاضعة لسيطرة فصائل عمليتي درع الفرات وغصن الزيتون بها على مراحل، أي مناطق عفرين وإعزاز والباب وجرابلس في ريف حلب الشمالي والشمالي الشرقي والشمالي الغربي، الخاضعة للوصاية التركية. وتبرز هذه المشكلة في منطقة عفرين على وجه الخصوص أكثر من غيرها لسببين اثنين، الأول أن أعداد المهجرين إليها أكبر بكثير من أعداد المهجرين إلى المناطق الأخرى المشمولة بقرار ضرورة إصدار البطاقة التعريفية، والثاني أن إصدار البطاقات التعريفية في المناطق الأخرى كان قد تم أصلاً قبل إلغاء العمل ببيانات المكاتب الثورية.

تحتوي البطاقات التعريفية التي يتم إصدارها الآن على الاسم الثلاثي ومكان الولادة، مع تغيير «للخانة وأمانة السجل المدني»، واستبدالها بخانة وأمانة جديدة بحسب منطقة السكن الحالية، وهو ما يعتبره المهجرون «ترسيخاً لتهجيرهم وتوطينهم لسلبهم حق العودة إلى مناطقهم الأصلية»، بعد إدراجهم ضمن خانة واحدة دون مراعاة المحافظات التي ينتمون إليها. وقد باتت البطاقة التعريفية إلزامية على الجميع، حتى الأطفال منذ ولادتهم، ولا يسمح سوى لحامليها بالتنقل ودخول المشافي والاستفادة من الخدمات العامة، ما اضطر الأهالي إلى استخراجها.

كما تردُ البيانات في هذه البطاقات باللغتين العربية والتركية، ليتساءل من تحدثنا إليهم عن سبب إدراج اللغة التركية عليها، وحول ما إذا كانت مُعادلةً لبطاقة «الكيملك» التي يحملها السوريون اللاجئون في الأراضي التركية: «هل نحن ضيوف نحتاج الحماية المؤقتة في بلادنا؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل يُسمح لحامليها بالدخول إلى الأراضي التركية».

يقول المحامي علي الرشيد إن «هذه البطاقة لا تتعدّى كونها بطاقة تعريفية يُعمل بها فقط داخل المناطق الخارجة عن سيطرة النظام والخاضعة لفصائل مدعومة تركياً، هي تشبه "الكيملك" من حيث الشكل، لكنها لا تتيح لحامليها التحرك داخل الأراضي التركية. وسبب وجود اللغة التركية عليها هو تسهيل التعريف بالشخص دون اللجوء إلى ترجمة البيانات، وهو أمر تنظيمي، معتبراً أن تخوفات المهجرين ليس لها ما يبررها، في المدى المنظور على الأقل».

يتفق كلام المحامي علي الرشيد مع التطمينات التي تقدمها المجالس المحلية في عفرين، لكن هذه التطمينات لا تقنع المهجرين؛ يقول أبو عبد الرحمن، من أبناء حمص، وكان يقطن في دمشق قبل التهجير، إنه «مع البطاقة التعريفية الجديدة لم يعد أبنائي يعتبرون من محافظة حمص، فبياناتهم تدلّ على أن مكان تولدهم في دمشق، وأن الخانة وأمانة السجل المدني التي ينتسبون لها هي جنديرس في ريف عفرين، ما يعني ضياع هويتهم الأساسية كأبناء لمحافظة حمص».

«الأمر أكثر حساسية بالنسبة لأبناء الجولان السوري المحتل»، كما يقول محمد أمين، وهو واحدٌ من أبناء العائلات المهجرة من الجولان عام 67، ومن المهجرين إلى عفرين. ويعتبر أمين أن بيانات البطاقة التعريفية الجديدة «خدمةٌ للاحتلال الإسرائيلي، عبر إضاعة هوية أبناء الجولان وحقهم بالعودة، خاصة وأن معظم الأوراق الشخصية التي يحملونها ضاعت في رحلات التهجير القسري المتكررة، أو تحت أنقاض البيوت المهدمة، لتأتي هذه البطاقة وتلغي ما تبقى لنا، عبر نسبتنا إلى مكان الولادة لا إلى أمانة السجل المدني في قرانا وبلداتنا المحتلة».

ولم يقتصر إصدار البطاقة التعريفية على السوريين المهجرين، إنما شمل أيضاً أبناء العائلات العراقية البالغ عددهم عشرة آلاف نسمة في مناطق الشمال السوري حسب بعض الإحصائيات، والذين يتواجد معظمهم في مناطق درع الفرات وغصن الزيتون، وتم تزويدهم بأوراق بديلة عن البطاقة التعريفية تحتوي البيانات نفسها، وتسمح لهم بالتنقل ضمن المنطقة والاستفادة من الخدمات الطبية فيها.

غير أن الأمر مختلف قليلاً بالنسبة للاجئين الفلسطينيين المهجرين إلى الشمال السوري، وذلك بحسب عمّار القدسي، مدير مكتب التوثيق المدني للاجئين الفلسطينيين في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، الذي قال إن هنالك اعترافاً دولياً بنا كلاجئين ولن تؤثر هذه البطاقة التعريفية على هويتنا، مضيفاً «نحن نتعامل مع هذه البطاقات تسهيلاً لأمور الفلسطينيين بما يتناسب مع القوانين المعمول بها من قبل المجالس المحلية، واللاجئون الفلسطينيون لهم دائرة أحوال شخصية خاصة بهم في مناطق النظام منذ خمسينات القرن الماضي، ويشكل مكتب التوثيق بديلاً عنها في المناطق المحررة لتلبية حاجة اللاجئين للأوراق الثبوتية، خاصة المفقودة جراء عمليات التهجير، حيث يبلغ عدد العائلات الفلسطينية في المناطق المحررة 1500 عائلة».

ليست هذه المخاوف حكراً على المهجرين، بل إن لأبناء عفرين الأكراد نصيبٌ كبيرٌ منها، وإذا كان أبناء عفرين الباقون فيها لا يستطيعون القيام بأي احتجاجات علنية خشية ما قد يتعرضون له من قمع الجهات المسيطرة، ما يجعل مخاوفهم غير منظورة، إلا أننا تواصلنا مع عدد منهم، وقد عبّروا لنا عن قلقهم حيال ما يبدو خطوات لتغيير البنية الديمغرافية في المنطقة، وهي المخاوف التي يعبّر عنها علناً كثيرون من أبناء عفرين المهجرين إلى خارجها، واصفين هذه الإجراءات بأنها جزءٌ من مشروع لتغيير التركيبة السكانية الكردية فيها، ومعتبرين أن إصدار البطاقة بشكلها الحالي لا يعدو كونه جزءاً من عملية توطين جديدة.