نازحو إدلب وحماة متروكون في العراء

 

تسببت الحملة العسكرية وعمليات القصف المتواصلة التي تقوم بها قوات نظام الأسد وروسيا وإيران، منذ نهاية نيسان (أبريل) الماضي وحتى الثامن عشر من آب (أغسطس) الجاري على ريف حماة الشمالي وريف إدلب الجنوبي، بنزوح قرابة 576 ألف شخص نحو مختلف مناطق الشمال السوري التي ما زالت خاضعةً لسيطرة فصائل المعارضة، نصفهم من الأطفال، وذلك وفق الأرقام التي نشرها مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة OCHA في الثالث والعشرين من شهر آب الجاري، بينهم أكثر من 72 ألف شخصٍ نزحوا على خلفية العمليات التي أدت لسيطرة قوات النظام على مدينة خان شيخون وبلدات في ريف حماة الشمالي، أي بين الأول والثامن عشر من الشهر الجاري. ومن جهته، قال فريق منسقو الاستجابة في تقرير تم نشره صباح اليوم إن أعداد النازحين في منطقة إدلب، منذ شهر تشرين الأول (أكتوبر) 2018 وحتى اليوم، قد تجاوزت المليون نسمة.

وأمام هذه الأرقام، نستطيع أن نقول إننا في مواجهة أكبر موجة نزوح جماعي للسكان شهدها هذا القرن. وتشير تصريحات المنظمات الإغاثية العاملة في المنطقة إلى أنّ معظم المخيمات في الشمال السوري تؤوي أضعاف استطاعتها من النازحين، وذلك منذ ما قبل موجة النزوح الأخيرة التي زادت الأوضاع المتردية سوءاً، حيث يزدحم النازحون في مخيمات رسمية وعشوائية عديدة. ولم تستطع المخيمات التي تم توسيع بعضها بالتعاون بين المجالس المحلية وبعض المنظمات العاملة في المنطقة، تخفيف حجم الكارثة الإنسانية أو احتواءها، خاصة مع استمرار أعمال القصف والعمليات العسكرية، وتوسيع روسيا والنظام لنطاق المناطق المستهدفة.

ويتزامن تفاقم الواقع المأساوي للنازحين مع فشل خطة الاستجابة الإنسانية للأمم المتحدة في تأمين المبالغ المطلوبة لتنفيذ مشاريعها، حيث كان صندوق سوريا العابر للحدود قد خصص مبلغ 22.5 مليون دولار للاستجابة الإنسانية، وطلب مبلغ 29 مليون دولار لتطبيق 45 مشروعاً من قبل 33 منظمة شريكة له تعمل في المنطقة، إلا أنّ الخطة لم تتمكن حتى الثاني والعشرين من شهر آب الجاري من جمع أكثر من 28% من التمويل اللازم، وذلك وفقاً لبيانات الأمم المتحدة.

وتعاني المنظمات الإغاثية السورية العاملة على الأرض من ثلاثة تحديات رئيسية، وذلك بحسب هشام ديراني مدير مؤسسة بناء للتنمية، «أولها نزوح عدد كبير من كوادرها (كوادر تلك المنظمات) برفقة الذين نزحوا من ريفي إدلب وحماة، ما جعل العبء مضاعفاً، والتحدي الثاني هو النقص الكبير في التمويل، حيث أنّ تفاعل المانحين والأمم المتحدة لا يغطي سوى 10 إلى 15 بالمئة من الاحتياجات العاجلة والطارئة جداً، والتحدي الثالث هو عدم وجود المأوى».

ويضيف ديراني في حديثه للجمهورية أنّ «تفاعل الأمم المتحدة الفعلي ضعيفٌ جداً، حيث لا يوجد تمويل كافٍ، خصوصاً للاحتياجات الحقيقية العاجلة للنازحين، المتمثّلة في المأوى والمياه النظيفة ودورات المياه في المقام الأول. وفي آخر تخصيص لتمويل الطوارئ، وبالرغم من محدوديته، لم يتم تخصيص ما يلزم من موارد مالية لتوفير هذه الاحتياجات، بل تمّ تحويل التمويل نحو الوقود والتدفئة والمُستهلكات».

ويبدو قصور الآلية التي تتعامل بموجبها الأمم المتحدة مع حجم وطبيعة الكارثة الإنسانية في الشمال السوري واضحاً من خلال هذا المثال الذي يورده ديراني: «وزّعت الأمم المتحدة بضعة آلاف من الخيام على النازحين خلال الأشهر الماضية، دون الأخذ بعين الاعتبار حاجتهم إلى المياه والصرف الصحي والحمامات، وغياب هذه الاحتياجات المُلحة أدى إلى تسجيل قرابة 43 ألف حالة إصابة بالليشمانيا في صفوف النازحين خلال الشهرين الماضيين، بسبب عدم وجود حمامات وعدم توافر المياه النظيفة».

من جانبه، يؤكّد الطبيب محمد كتّوب، مدير قسم المناصرة في مكتب الجمعية الطبية السورية الأميركية (سامز) في تركيا، أنّ أكثر الاحتياجات إلحاحاً في الفترة الحالية هي المأوى والمياه، مشيراً إلى أنّ «الاستجابة الحالية تمّ توفيرها من مخزون المنظمات الإنسانية، بينما اقتصرت الاستجابة الطارئة من الأمم المتحدة على تسعة آلاف خيمة، وذلك دون تخصيص أيّة موارد لتأمين الاحتياجات الأساسية لساكني هذه الخيام، كمياه الشرب والمياه المنزلية والصرف الصحي».

وأضاف كتّوب في حديثه للجمهورية أنّه «على الرغم من كون موجة النزوح الحالية التي تسبب بها الصراع المُسلح في الشمال السوري هي الأكبر منذ حرب رواندا، إلا أنها قوبلت بأضعف استجابة، حتى أن كل مخصصات الاستجابة الطارئة التي وُضعت في صندوق الدعم الإنساني، ومن قبل جميع المانحين، بلغت قيمتها 22.5 مليون دولار، وذلك في جميع القطاعات من صحة ومأوى ومياه وإصحاح وغذاء، وهذا يوازي ما خصصته الأمم المتحدة لإعادة تأهيل مشفى واحد في مناطق سيطرة النظام السوري».

ويفيد التقرير الذي نشره منسقو الاستجابة صباح اليوم بأن الاحتياجات الأساسية التي يجب توفيرها للاستجابة إلى أزمة النزوح هذه تشمل أكثر من 51 ألف خيمة، و121369 سلة غذائية، و78698 سلة مساعدات غير غذائية، و98742 من خزانات مياه شرب، و50 عيادة متنقلة، بالإضافة إلى 22365 كتلة حمامات، كما يحتاج النازحون إلى توفير 150 ألف لتر مياه صالحة للشرب و202365 ربطة خبز يومياً.

إلى ذلك، لا يزال عشرات الآلاف من النازحين من دون مأوى، وينامون تحت ظلال أشجار الزيتون في الأراضي الزراعية أو في شاحناتهم. ويرجع بقاء الناس في العراء إلى عدم وجود متسع في أي من المخيمات في الشمال السوري، وإلى ارتفاع إيجارات البيوت من جهة، وعدم توافر أي بيوت فارغة في المناطق الأكثر أمناً والقريبة من الحدود السورية التركية من جهة ثانية، وذلك حسب ما تؤكد لنا مصادر محلية، قالت إن العثور على بيوت فارغة في بعض المناطق بات مستحيلاً، وإن هناك بيوتاً تقطنها عائلتان أو ثلاث عائلات في الوقت نفسه.

أما المناطق الأقل أمناً، والموجودة في مناطق قريبة من مناطق سيطرة قوات النظام، وعلى وجه الخصوص المناطق القريبة من طريق حلب دمشق الدولي وإلى الشرق منه، والتي يتعرض بعضها للقصف ويُحتمل أن تكون هدفاً لعمليات النظام وحلفائه خلال الفترة القادمة، فإن كثيراً من النازحين لا يريدون الاتجاه إليها خشية أن يضطروا للنزوح مرة أخرى، فيما وجد آخرون أنفسهم مضطرين للتوجه إليها كي لا يبيتوا في العراء، ولأنه يمكن العثور على بيوت فيها بإيجارت أقل، أو حتى بدون مقابل في سياق التضامن الأهلي مع النازحين في المنطقة.

وحتى في البساتين، تضطر كثير من العائلات إلى دفع إيجار لأصحاب الأراضي لقاء السماح لهم بالإقامة في ظلال أشجار الزيتون، ولكن في مقابل ارتفاع الإيجارات، وشمولها لأراضي الزيتون في بعض الحالات، فإن ثمة تضامناً أهلياً نشطاً يؤدي إلى التخفيف من معاناة بعض العائلات، من خلال تأمين السكن لبعضها بالمجان أو بأسعار منخفضة، أو من خلال تأمين مساعدات متنوعة، غير أن هذا النوع من العمل التضامني المدعوم بجهود جهات محلية ضعيفة التمويل، لا يمكن أن يكون كافياً لمواجهة الكارثة الإنسانية الهائلة، التي تحتاج إلى تدخل دولي طارئ لاحتوائها، وهو الأمر الذي تكفي لشرحه الأرقام التي نشرها منسقو الاستجابة أعلاه.

تشرق شمس اليوم على أطفال في العراء بريف إدلب، وعلى قرى وبلدات تقوم طائرات النظام وروسيا بمسحها عن ظهر الأرض، دون أي ردة فعل دولية على المستوى السياسي، ولا حتى على المستوى الإنساني، وذلك حيال كارثة نزوح وتهجير لا سابق لها في هذا القرن، بينما تختفي تماماً الأصوات الداعية لوقف أعمال القتل والمذابح والتدمير المستمرة تحت أنظار العالم.