نازحو إدلب يصارعون ظروفاً لا تُحتمل

 

مشاهد صادمة تنقلها وسائل الإعلام عن حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها مئات الآلاف من سكان أرياف إدلب وحلب، بعد تهجيرهم القسري من مناطقهم بفعل القصف الكثيف والتقدم البري لقوات النظام وحلفائه خلال حملتهم العسكرية المستمرة. طوابير من الحافلات والشاحنات تحمل ما تبقى من أثاث المنازل وتتجه نحو المجهول، خيام عشوائية تمتد على طول الطريق باتجاه المناطق الحدودية، عائلات تسكن بيوتاً مشرعة للهواء أو في مداجن متناثرة حول المناطق السكنية، وأخرى تفترش الأرض وسط ظروف مناخية سيئة، في وقت تقوم فيه المنظمات الإنسانية والفعاليات الشعبية بما تستطيعه لتأمين جزء من الاحتياجات.

الأولويات والاحتياجات

وثَّقَ فريق منسقو الاستجابة في سوريا نزوح 348889 شخصاً منذ بداية العام الحالي حتى الرابع من شباط (فبراير) الجاري، سبقهم 382466 نازحاً في شهري تشرين الثاني وكانون الأول من العام الماضي، لينضموا إلى 966140 نازحاً منذ بداية الحملة العسكرية على أرياف إدلب وحماة وحلب في شباط في العام 2019، ويزيد بذلك العدد الإجمالي عن مليون ونصف مليون نازح خلال نحو سنة من القصف والحملات العسكرية.

ترافقت هذه الحملات العسكرية مع تدمير مئات المرافق العامة والصحية، إذ تم إخراج ما يزيد عن 75 مركزاً صحياً عن الخدمة، إضافة لاستهداف الأسواق الشعبية ومراكز الدفاع المدني والمدارس والمخابز ومحطات الكهرباء والمياه. وقد وثَّقَ فريق الاستجابة في الشهر الأول من العام الحالي فقط استهداف أحد عشر مركزاً طبياً ومشفى، وثماني وعشرين مدرسة، وتسعة أسواق شعبية وثلاث محطات تحويل مياه ومحطتي كهرباء وأربعة مخابز، بالإضافة إلى عشرات المنازل السكنية. ومع استمرار التقدم البري لقوات النظام، وما يخلفه ذلك من حركة نزوح كبيرة خلال مدة قصيرة، تزداد صعوبة مهمة الاستجابة الطارئة للنازحين، في ظل انعدام أماكن آمنة جديدة لإيواء النازحين، وضعف الإمكانيات المادية.

المهندس محمد حلّاج، مدير فريق الاستجابة، يصف في حديثه للجمهورية نسبة الاستجابة خلال حملة النزوح الأخيرة بعد خرق وقف إطلاق النار بـ «الضعيفة جداً»، ويقدرها بـ 3.4% من الاحتياجات، مؤكداً أن هناك نقصاً هائلاً في كل شيء. ويرتب حلّاج سلّم الاحتياجات بأماكن السكن في الدرجة الأولى، ثم العيادات المتنقلة وتأمين المساعدات الغذائية وسلال النظافة. كما يتحدث عن انتشار عشرات المخيمات العشوائية غير المنظمة في المناطق الممتدة من حزانو باتجاه باب الهوى، ونزوح أعداد كبيرة من السكان إلى مناطق عفرين وريفي حلب الشمالي والشرقي، قدَّرَ أعدادهم خلال الشهر الماضي بتسعة آلاف عائلة، منها نحو ألفين ومئتي عائلة في منطقة الباب، وألف وخمسمائة عائلة في إعزاز.

ويُرجع حلّاج سبب ضعف الاستجابة إلى كثافة أعداد النازحين مقارنة بالإمكانيات المتاحة، وكذلك الوقت الذي تحتاجه المشاريع المقدمة من قبل المنظمات للمانحين لتخصيص المبالغ اللازمة، ويضرب مثالاً تخصيص مبلغ اثني عشر مليون دولار للنازحين من معرة النعمان وريفها الشرقي، لم يصل منه شيء حتى اللحظة.

المنظمات تقود الاستجابة الطارئة في إدلب

قدمت المنظمات التركية؛ الهلال الأحمر وآفاد وIHH ووقف الديانة التركي، الحصة الأكبر من الاستجابة الطارئة للنازحين خلال الحملة الأخيرة، سواء عبر كوادرها أو من خلال تقديم الدعم للجمعيات والفرق التطوعية في المنطقة، وعملت على إنشاء عدد من المخيمات وتقديم الخيام والسلال الإغاثية الطارئة. يقول أحمد الأحمد، الإعلامي المرافق للوفود التركية، إن 99% من الخيام تم تأمينها من قبل المنظمات والجمعيات والحملات والفعاليات التركية.

وقام الهلال الأحمر التركي بإنشاء خمس مخيمات، توزعت في بلدات كللي وحربنوش ومعرة مصرين، فيما تعمل منظمة IHH على مشروع بناء بيوت الحياة، الذي يضمّ نحو ألفي وحدة سكنية وألف خيمة، تم تجهيز قسم منها.

كذلك قامت مؤسسة أورينت بالتعاون مع منظمة تحالف الأديان بحملة استجابة طارئة لتلبية بعض الاحتياجات الأساسية، وإنشاء مخيمات في ريف إدلب الغربي ضمت نحو 1000 خيمة. فيما قامت منظمة شفق بتقديم سلال إغاثية للتجمعات العشوائية، ونحو 700 خيمة على الطريق الرئيسي من معرة مصرين وحتى سرمدا.

وقدمت منظمات أخرى، منها الإحسان والقلوب الرحيمة والقلب الكبير ومنظومة وطن وعطاء، استجابة طارئة شملت سلالاً غذائية وسلال طوارئ تحتوي على عوازل واسفنجات وأغطية وبعض الأطعمة. كما قامت منظمة بنفسج، ومعها منظمات أخرى، بتقديم خدمة النقل المجاني عبر الخط الساخن الذي أعلنت عنه، لإيصال نازحين إلى مراكز الإيواء المؤقت، أو إلى المناطق التي يرغبون بالوصول إليها، ويقدر عدد الأشخاص الذين تم إجلاؤهم من قبل بنفسج بـ 12700 شخص.

مبادرات لفرق تطوعية وفعاليات شعبية

يُعدُّ فريق ملهم التطوعي أنشط الفرق التطوعية في الشمال السوري، ويضم نحو 80 متطوعاً يعملون على مدار الساعة للتخفيف عن النازحين وتقديم الخدمات اللازمة لهم، من خلال حملة «أهل العز» التي تضم حالياً ست منظمات؛ فريق ملهم التطوعي والدفاع المدني السوري ومنظمة الأمين وغطاء الرحمة ورابطة أهل حمص وسرد، إضافة إلى منظمتي تكافل واليوم الجديد، اللتين قدمتا كل ما لديها من إمكانيات قبل توقفهما مؤخراً.

ويشمل عمل الحملة، بحسب منسقها الإعلامي عبد الله خطيب، تأمين خدمات النقل إلى مناطق أكثر أمناً، إذ قام الدفاع المدني وحده بإخلاء نحو عشرين ألف عائلة خلال الشهرين الماضيين. كما يشمل إنشاء مخيمات ومراكز إيواء في مناطق من إدلب وعفرين وريف حلب الشمالي الشرقي، وتقديم وجبات غذائية بواقع خمسة عشر ألف وجبة يومياً، بالإضافة إلى كميات من الخبز والألبسة.

كذلك تم تجهيز شقق سكنية غير مكسوة بما يلزم من نوافذ وأبواب وتمديدات صحية في مناطق عدة، وتجهيز عدد من المداجن التي سكنها النازحون من خلال تقطيعها وتقديم بعض المستلزمات. وعلى الصعيد الصحي تم تجهيز ثلاث عيادات متنقلة لتقديم الخدمات الطبية والأدوية للنازحين في المخيمات ومراكز الإيواء، فضلاً عن الحالات المرضية المستعصية التي يعمل الفريق على تسليط الضوء عليها وجمع التبرعات لمعالجتها.

يقول عبد الله سويد، مدير مكتب فريق ملهم التطوعي في إدلب، إن الاستجابة تتم عبر المكاتب المتوزعة في ريفي إدلب وحلب وعددها سبعة، ومن خلال المتطوعين. ويؤكد أن الجميع يفعلون ما بوسعهم، إلا أن حجم الاحتياجات يفوق التصور، ويضيف أن الفريق يسعى لمتابعة عمله ضمن الإمكانيات المتاحة، من خلال إطلاق الحملات وتقديم الاحتياجات بناءً على الأولويات التي تقدمها فرق المسح الميداني، ويرى أن استمرار الحملة العسكرية والنزوح قد يوقف كل أشكال الاستجابة.

وقامت فعاليات ومنظمات محلية بمبادرات فردية للاستجابة الطارئة، منها اتحاد إعلاميي حلب الذي قام بجمع تبرعات من أعضائه لتأمين بعض المستلزمات التي وزعت على مخيمات في منطقة الجينة وجمعية المعري، بحسب إسماعيل الرج رئيس الاتحاد. كما قامت رابطة أبناء حلب، عبر تبرعات شخصية من أعضائها، بإنشاء مركز إيواء مؤقت يضم نحو مئة عائلة، ونقل عائلات من أماكن تواجدها إلى مركز الإيواء، بالتعاون مع وقف الديانة التركي، بحسب أبو أحمد مروّح العضو في الرابطة.

كذلك تم إنشاء أربعة مخيمات في مدينة الأتارب بالتعاون بين المجلس المحلي والمنظمات والفعاليات المدنية، فيما تواصل فرق تطوعية محلية عديدة تقديم وجبات غذائية للنازحين في مراكز الإيواء، ويقوم سكان المدن والبلدات بجمع مساعدات عينية ومادية للوافدين الجدد، ويستضيفون عدداً منهم في بيوتهم. كذلك يقوم نازحون سابقون باستضافة نازحين جدد في خيامهم؛ يقول فواز الأحمد، معاون مدير مخيم نور حلب، إن أكثر من خمسين عائلة تمت استضافتها في المخيم من قبل سكانه، ويروي للجمهورية أن هناك خياماً تسكن فيها نحو أربع عائلات.

تغيب حكومة الإنقاذ التابعة لهيئة تحرير الشام عن الاستجابة الطارئة بحسب معظم من التقيناهم، إلا أن بعضهم تحدث عن استجابة متواضعة قامت بها وزارة التنمية والشؤون الإنسانية، تمثلت في تأمين انتقال نحو أربعة آلاف عائلة إلى بعض المخيمات وتقديم بعض المساعدات لها، وهي استجابة لا تتناسب مع إمكانيات جهة تجبي الضرائب بالقوة منذ أشهر طويلة من السكان.

تعقيدات الاستجابة في عفرين وريفي حلب الشمالي والشرقي

تمنع منظمة آفاد التابعة للحكومة التركية إنشاء أي مخيمات جديدة في المناطق التي تسيطر على قرارها الحكومة التركية، وتسمح بإقامة مراكز إيواء فقط، إذ تضم عفرين نحو 10 مراكز إيواء مؤقت، بينما يتوزع الوافدون إليها في البيوت المستأجرة بأسعار تصل إلى نحو مئة دولار، إن وجدت، وفي خيام على شكل تجمعات صغيرة من ثلاث إلى عشرة خيام في المساحات والأراضي الزراعية، دون خدمات إغاثية من قبل المنظمات التي تسيطر على عملها منظمة آفاد.

يقول من التقيناهم إنهم محرومون من أي مساعدات، سوى تلك التي تصدر عن الأهالي الذين يسكنون في هذه المناطق، والذين يحاولون ما بوسعهم تأمين بعض الاحتياجات، ويتساءلون عن سبب منع آفاد لهم من إقامة مخيمات نظامية يمكن أن تقوم منظمات إنسانية بكفالتها، إذ يصعب مع التوزع العشوائي للنازحين إحصاؤهم أو تقديم المساعدة لهم.

يعمل الأهالي في مناطق عدة من ريف حلب على تقديم المساعدات عبر فرق تطوعية تشكلت في كل قرية، ويقول أحد النازحين إن كثيراً من أبناء إعزاز والساكنين فيها قدموا بيوتاً للنازحين، إلا أن ازدحام المدينة حال دون تحقيق الاستجابة بالشكل الأمثل، فقد امتلأت المحلات التجارية الفارغة بالعائلات، وكذلك البيوت غير المجهزة.

وفي أخترين والباب وغيرها من المناطق تم استيعاب النازحين في البيوت المتوافرة، أو قدمت لهم أراض لإنشاء خيامهم. ويقول من تحدثنا إليهم من النازحين إن الاستجابة الشعبية كانت معقولة، لكن الأمر لا يخلو من حالات استغلال ومطالبة بمبالغ مالية كبيرة كإيجار للمنازل، وبالنتيجة وجد كثيرون أنفسهم غير قادرين على استئجار بيوت، ولم يسعفهم حظهم بالحصول على مكان في مراكز الإيواء، ومنهم شخص تحدثنا إليه، يقول إنه يعيش بالقرب من عفرين منذ أسبوع على الأقل، دون أن يحظى بمأوى حتى اللحظة؛ يتنهد وهو يخبرنا أن أحدهم طالبه بـ «خلو» يصل إلى ألف دولار مقابل تسلميه منزلاً، ما دفعه لبناء خيمة والسكن فيها، ويقول إن أكثر ما يقض مضجعه وعائلته هو غياب دورات المياه؛ يخفي وجهه وينهي كلامه «نريد السترة، فقط السترة».

تقدم المنظمات العاملة في ريفي حلب الشمالي والشرقي وعفرين خدماتها عبر آفاد والمجالس المحلية حصراً، وقد كانت استجابتها ضعيفة جداً خلال النزوح الأخير، إذ يقدر من تواصلنا معهم أنها غطت نحو 25% من الاحتياجات الطارئة، ولمرة واحدة فقط، بينما حاول الأهالي تغطية النقص بما يستطيعون من إمكانيات.

يقول عبد الله خطيب، المنسق الإعلامي في فريق ملهم التطوعي، إنه يجد أن الاحتياجات تكبر في كل مرة يزور فيها أحد المخيمات، فالأولويات كثيرة ومن الصعب تحقيق استجابة حقيقية ومستدامة دون دعم دولي كبير، وهو ما يفتقر إليه العمل الإنساني في الشمال السوري حالياً، مؤكداً أن ما تنقله وسائل التواصل الاجتماعي أقلّ بكثير من حجم الكارثة التي تتفاقم كل يوم.