نتنياهو مجدداً

 

تصدّر تكتل اليمين، الذي يضم حزب الليكود بزعامة بنيامين نتنياهو، نتائج الانتخابات الإسرائيلية التي جرت يوم أمس. ورغم أن فرز الأصوات أظهر أرقاماً متساوية تقريباً لكل من حزب الليكود، وتحالف يسار الوسط «أزرق/أبيض» الذي يقوده رئيس الأركان السابق بيني غانتس، بحصول كل منهما على 35 مقعداً في الكنيست، إلا أن تفوق تكتل اليمين بشكل عام، وحصوله على المقاعد الخمسة وستين اللازمة لتشكيل الحكومة، قد حسم النتيجة لصالح إعادة انتخاب بنيامين نتنياهو كرئيس وزراء للمرة الخامسة.

وقد أقرّ يائير لابيد، الرجل الثاني في تحالف «أزرق/أبيض»، بهزيمة تحالفه في الانتخابات، حسب ما أعلن التلفزيون الإسرائيلي مساء أمس الأربعاء، الذي نقل عن لابيد قوله «سنجعل الحياة جحيماً لليكود ونحن في المعارضة». وكانت استطلاعات الرأي التي سبقت الانتخابات قد أظهرت نتائج متقاربة بين التحالف الذي يتزعمه غانتس والحزب الذي يتزعمه نتنياهو، إلا أنها فشلت في إظهار الفارق الكبير بين تكتل اليمين الذي يضم أحزاباً قومية متطرفة وأحزاب دينية أرثوذوكسية إلى جانب الليكود، وتكتل اليسار الذي مني بهزيمة كبيرة، إذ أن حزب العمل الذي كان قد شكّل الحكومة الإسرائيلية لمرات عديدة، لم يحصل في هذه الانتخابات سوى على ستة مقاعد، فيما تراجعت قائمة الأحزاب العربية لتحصل على عشرة مقاعد فقط، بعد أن كانت تشغل ثلاثة عشر مقعداً في الدورة الماضية للكنيست.

سيعطي استمرار نتنياهو في الحكم دفعة قوية للسياسات الإقليمية والدولية التي كان جزءاً منها، خاصة إذا رأينا الحرص الأمريكي والروسي الشديد على دعمه عشية الانتخابات، فقد قدّم كلٌ من ترامب وبوتين لنتنياهو وحزبه هدية كبيرة، قبل أيام فقط من انتخابات كان من الممكن أن يتعثر فيها، نتيجة عدة عوامل على رأسها تراجع شعبيته بسبب التحقيقات التي طالته في تهم فساد.

الهدية الأمريكية كانت الأكبر حتماً، عندما اعترفت الولايات المتحدة بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان السورية التي احتلتها إسرائيل عام 1967، بينما كانت رفات الجندي الإسرائيلي زخاري بوميل، المفقود منذ معركة السلطان يعقوب في البقاع اللبناني عام 1982، هدية بوتين لصديقه نتنياهو.

يظهر هذا الحرص الواضح من واشنطن وموسكو على دعم نتنياهو مدى أهمية الأخير بالنسبة لمشاريع الطرفين الإقليمية، ذلك بالإضافة طبعاً إلى أن كل من الرئيسين الأميركي والروسي يفضّلان رئيس وزراء يميني متطرف في إسرائيل، على حكومة يسار وسط يترأسها جنرال سابق، يمكن أن يسعى إلى تغيير قواعد اللعب.

وليس الحديث هنا طبعاً عن تغيير قواعد اللعب في مسألة الحقوق العربية والفلسطينية، بل عمّا يمكن أن يعطيه استمرار نتنياهو في منصبه من سهولة حركة لبوتين وترامب في وضع معقد أصلاً هو الوضع السوري، وفي مواجهة النفوذ الإيراني. فبينما قد يفضل الجنرال السابق بيني غانتس مواجهة ذلك النفوذ مباشرةً، مقللاً مساحات المناورة أمام بوتين وترامب اللذين لا يريدان على ما يبدو حسم المواجهة تماماً حتى اللحظة، فإن استثمار نتنياهو المستمر في الخطر الإيراني للحصول على مكاسب سياسية واستراتيجية من الولايات المتحدة وحلفائها العرب بما يخص القضية الفلسطينية، ومن موسكو في سوريا، يسمح بتأجيل المواجهة التي لا يمكن من دونها إخراج الحرس الثوري من البلاد التي دمرتها حرب مستمرة منذ ثمان سنوات، قادها النظام مدعوماً من حلفائه الإيرانيين والروس ضد الثورة السورية.

وقد استطاع نتنياهو فعلاً استثمار هذه الأوضاع خلال السنوات القليلة الماضية، بل إنه قام بشكل غير مباشر بتسهيل وصول إيران إلى الحدود مع الجولان المحتل، من خلال موافقته على العملية التي قادتها موسكو لاحتلال المناطق الخارجة عن سيطرة النظام في درعا، وهو الأمر الذي دفع بالأمريكيين إلى التراجع عندما وجدوا أن حليفهم الذي يواجه الخطر الفعلي من مثل تلك التطورات قد وافق عليها.

والآن أصبح بإمكان نتنياهو استثمار هذا الخطر داخلياً، فالإيرانيون أصبحوا على الحدود المباشرة مع إسرائيل، ولم تعد مواقع ميليشيا حزب الله جزيرة معزولة جنوب لبنان، بل هي جزء من سيطرة مستمرة تمتد إلى العراق. لقد أصبح الخطر الإيراني حقيقياً بالنسبة للإسرائيليين أكثر من أي وقت مضى، فطلقة من بندقية إيرانية جنوب سوريا تستطيع الوصول إلى المستوطنات، ويبدو أن هذا الوضع هو أحد الأركان الأساسية التي استطاع نتنياهو من خلالها إعادة إنتاج نفسه حتى وهو يواجه ثلاث جنرالات في الانتخابات، وملاحقٌ في أربع قضايا فساد، كانت واحدة منها سابقاً تستطيع القضاء على مستقبل زعيم سياسي، كما حصل مع رئيس الوزراء السابق إيهود أولمرت الذي استقال من منصبه عام 2008، عندما وجهت له الشرطة اتهامات في قضايا فساد مشابهة.

كل تلك الوقائع وما يترتب عليها، قد تعطي شرحاً للسؤال حول السبب الذي دفع نتنياهو إلى عدم مواجهة النفوذ الإيراني بشكل فعّال حتى اللحظة، بينما يستمر بتوجيه ضربات جوية متتالية، هي في الحقيقة ليست أكثر من عمليات استخباراتية كبيرة، تستهدف السلاح النوعي لإيران وحزب الله، بينما تتغاضى عن النفوذ المتنامي والكبير لهما، والقوات الضخمة التي تملكها طهران اليوم في سوريا عموماً، وفي جنوبها بشكل خاص.

وفي هذه الأوضاع، فإن استمرار التهديد الإيراني الذي يبدو في جزء كبير منه مفتعلاً، أي أنه تم السماح بوجوده أصلاً في حين كان يمكن منعه، يخدم بشكل كبير مساعي نتنياهو في الحصول على مكاسب عديدة أخرى، من بينها ضم المستوطنات في الضفة الغربية إلى السيادة الإسرائيلية، وتمرير صيغة الحل المعروفة باسم «صفقة القرن» لإنهاء أي مستقبل لحل الدولتين، أو أي حل سياسي معقول للقضية الفلسطينية.

وبحساب بسيط، فإن مواجهة النفوذ الإيراني بشكل حقيقي سينتج عنها حتماً إسقاط نظام الأسد، هو أمر غير وارد بالنسبة لنتنياهو أو أصدقائه في الكرملين والبيت الأبيض، وبينما سيستمر التصعيد المحسوب لرفع السعر الذي يجب دفعه لمواجهة هذا الخطر من قبل دول الخليج، فإن نتنياهو يبدو سعيداً بصور قاسم سليماني في سوريا، بل إنه قد يرغب في تمويل حملة دعائية لتلك الصور على مواقع التواصل الاجتماعي، لأن هذا يبدو استثماراً رابحاً جداً لليمين الإسرائيلي، ولنتنياهو شخصياً حتى اللحظة.