نصف كوب من المساواة

 

بعد شهرين من وصولي إلى السويد؛ كان النهار مشمساً، وكنتُ خارجاً للتو من لقاءٍ حارّ في معرضٍ وسطَ المدينة. سرتُ في طريقي نحو المكتبة، لكنّ صوتاً ما استوقفني. كان يُنادي: «حسام.. حسام». أعادني الصوتُ إلى حارتي القديمة، وسمعتُ اسمي بأصوات كل الأصدقاء الذين غابوا خلف المسافات والسماوات وجوازات السفر. استيقظتُ، فشاهدتُ صديقي اللطيف أولوف، الذي يتحدثُ العربية والصينية والعبرية. كان مبتسماً، يجلس على طاولة Wayen's Coffee في الخارج. تبادلنا بعض الكلمات والابتسامات، ثم مَضيتُ في طريقي أفكر بالسرعة الهائلة لآلة السفر في الزمان والمكان. تلكَ الآلة هي اسمي فقط. لستُ إيجابياً إلى هذا الحد، إذ أن هذا يحدث في مناسبات معينة، فمعنوياتي كانت مرتفعةً بعد الحفل! فضلاً عن أن اليوم كان مُشمساً، والشمس في صدر سماء السويد، كالدجاجة تبيضُ ذهباً. الأهم من كل ذلك، أن اسمي رباعي الحروف، حسام، جاء بصوتٍ مختلفٍ عما اعتدتُ سماعه هُنا، فقط لأنّ أولوف يستطيعُ أن يلفظ حرفَ الحاء دون أن يواجه صعوباتٍ حقيقية في مَجرى التنفس.

*****

في المرة الأولى التي التقيت فيها سورياً من محافظة الحسكة شمالي البلاد، كنت في الجامعة. وسألته:

- كم يستغرق الطريق وقتاً من مدينتك إلى دمشق؟

- ست ساعات بالباص.

- كيف يبدو؟ ممتعاً، أليس كذلك؟

- ست ساعات، تقضي خمساً منها في الصحراء. على يمينك صحراء، وعلى يسارك صحراء. ولا تدري إن كان الباص مُنطلقاً أم مُتوقفاً.

هنا، في السويد، تذكرت صديقي وما قاله وقتها؛ غابة على اليمين وأخرى على اليسار. وتشعر أن القطار متوقف، أو أن «سكادي»، إلهة أحذية الثلج، قد جمّدت الغابة من باب التسلية.

*****

تعرّفَ كاليه على وجهي بعد أن شاهد صورتي في الجريدة المحلية. استطاع بعد ذلك أن ينطلق نحوي دون تردّدٍ أو شكّ من أنني مجرد شرق أوسطي آخر، جاء عبر البحر.

ما لفت نظري فيه للوهلة الأولى كان قبعته التي تماثل قبعتي. كانت القبعة وحدها كافية لتجعلني أشعر بارتياح أكبر أثناء الحديث معه ومع زوجته المشرقة وطفلتيهما، زهور عباد الشمس.

انتبهتُ في السويد إلى أنني دائماً ما أعتبرُ الغرباء الذين يرتدون القبعات أكثر ألفة من الغرباء مكشوفي الرؤوس. ولستُ أنا وحدي من يشعر بذلك، بل عندما نمرّ في الطريق بقبعاتنا جانب بعضنا، فإننا ننظر أول الأمر إلى القبعات. نبدي إعجابنا المشترك بما تحمله رؤوسنا، ثم نومئ مبتسمين قبل أن يمضي كل في طريقه سعيداً وكأنما رأى صديقاً قديماً بعد غياب طويل.

*****

أتابعُ في بلد الضباب والشمس أنباء الدخان عن البراميل؛ تلك نيازك الإله الأعمى تحرقُ ذاكرتي في بلدي. في وقتها، وصلتني رسالة بالبريد، من دائرة الهجرة، وجاء فيها أنه صار بإمكاني استلام إقامتي السويدية الجديدة. كان ذلك كما لو أنّ يداً جذبتني مجدداً خارج المجزرة. نجوتُ أنا، واحترقت ذاكرتي، ومات أهلي.

 *****

- سأذهب إلى اليونان.

- لماذا؟

- للمساعدة والفضول والكتابة... لأكون قريباً من الناجين والغرقى.

- كيف ستذهب؟

- بالطائرة!

- أوه! الطائرات مضرة جداً بالبيئة.

- حسناً، سأخبرهم إذن: «بوسعكم أن تقتلوا بعضكم بعضاً، لكن حذارِ أن تستخدموا الوقود النفطي في تشغيل الدبابات؟»

*****

قالت لي هذي البلاد:

لا تقلق.. الشجرةُ لحافُ الأرض،

والغيمُ لحاف الشجر،

والريح ستقلِّبُ أجسادنا الأربعة

كُلّما شارفنا على اليباس!

*****

في الطريق بين استوكهولم وأوبسالا، بحثت ملياً عن ملاذٍ لتدخين سيجارة على رصيف المحطة. خصّصوا لنا، نحن المدخنون، زنزانة مُربّعة، بخطوط بيضاء وجدران مخفيّة. دخان سيجارتي يجذب عيون المارة المشمئزة، كما لو أنهم يرون أحدب نوتردام (قبل احتراقِ كنيستِه). يُؤرقهم دخان يَنفثُه فمي، لكنهم لا يكلّفون أنفسهم عناء السؤال عن النار الأم. على الجُدران الخفية لهذي الزنزانة، قرأتُ قصّة زنازين العالم، وحكايات المحترقين أيضاً.

«أوشفيتز، غولاغ، فرع فلسطين، سجن صيدنايا»

كنا نموت هنا كلّ لحظة، وكانوا يأكلون مِلح أجسادنا، وكنا نمدّدُ أعناقنا على حافة اليأس ولا يَضربُها. كنا نضاجع الحفر في جدار الزنزانة، ثم نُقسِم للجلّاد أننا ضاجعنا أمه للتو. كنا نحمل الصخور، وكانوا يحملون عنا رؤوسنا قبل كلّ صفعة. كم حلُمنا بكرة القدم، وكم رَكلوا خِصانا. كنا نفرحُ بنتيجة التعادل، صفر لصفر، إذن؛ أضلاعنا وكِلانا ما زالت سليمة للمباراة القادمة. كانوا يهزموننا على أرضهم في كلّ مرة، وكنا نتوعدهم بمباراة الإياب، بيد أننا ندرك أنه لا أرض لنا، وما من ساحة مُحايدة لتستقبل مباراتنا، ولا جماهير تجرؤ على رفع أسمائنا، فنضطر للعب على أرضهم ذهاباً ثانياً دون أن نحسب احتمالات العودة.

كنا نُعزّي أنفسنا بالقول: «هذي أرضنا قبل أن تكون أرضهُم. إذن؛ نحن من انتصر في المحصّلة». ثم نمضي أبعد في رحلة كربون الأرض، ونقول إن أجدادنا عاشوا هنا، وربما أنجبوا أجدادنا الآخرين على أرض غرفة التحقيق، أو كانوا يتناولون حساءهم ساخناً في غرفة التشميس، أو قرأوا سيرة شعر الغزل في جحور جيراننا الفئران. قال لي أحدهم: «أعزي نفسي كلما تأوهت في حفلات التعذيب المسعورة، بأن جداً من أجدادي قد تأوه هنا نشوتهُ حينما انتهى من زراعة شجرة العائلة».

*****

لم نُجرّب يوماً أن نعلّب المفاهيم الفلسفية، مثلما نعلّب رقائق الشيبس أو لحوم الدجاج. لكن، لم لا؟ ماذا سيحدث لو تناولتَ ملعقتين من الإنسانية عند الصباح؟ أو شربتَ قهوتكَ مع نصف كوب من المساواة بدل الحليب؟ أو ارتديتَ واقياً ذكرياً من الحب حينما تمارسُ الجنس؟

الحياة هنا في السويد سهلة للغاية عندما يتعلق الأمر بالبيع والشراء. مثلاً، تطلَّبَ مني شراء جهاز آيفون الجديد، فخر شركة آبل وآخر إصداراتها، قرابة ربع ساعة فقط. قضيتُ معظمها في الحديث عن ملاعب الغولف في جزيرة صقلية، وذلك مع الموظف اللطيف الذي كان يندب حظّه لأنه لن يمارس رياضته المفضلة في مايوركا الإسبانية، حيث يقضي إجازته الصيفية.

أليس جميلاً، وسهلاً أيضاً، لو استطعنا أن ننشر الإنسانية المعلّبة في العالم؟

لقد وجدنا حلاً لنشر آيفون في ربع ساعة، لكن الحياة بأكملها لم تكن كافية لنشر العدالة، حتى لو في بلدٍ واحد!