نقاط مراقبة المذابح والتهجير

 

بينما تواصل قوات النظام والقوات الروسية حرب التهجير في أجزاء واسعة من ريفي إدلب وحلب، تحدثت الأنباء يوم أمس عن دخول رتل عسكري تركي كبير إلى إدلب، وعن أن هذا الرتل قد باشر بإنشاء نقطة مراقبة تركية جديدة إلى الجنوب من مدينة سراقب قرب قرية تل مرديخ، أي بين سراقب ومعرة النعمان على طريق حلب دمشق دولي، الطريق الذي يُشاع أن المعركة كلها تدور بهدف السيطرة عليه. إذن، ليس مشهد الموت والمذابح والنزوح وإخلاء المدن من أهلها هو وحده ما يتكرر، بل يتكرر معه مشهد نقاط المراقبة التركية القديمة والجديدة.

في شهر آب (أغسطس) من العام الماضي 2019، أنشأت القوات التركية نقطة مراقبة جديدة لها في منطقة معرحطاط قرب بلدة حيش في ريف إدلب الجنوبي، إلى الجنوب من مدينة معرة النعمان، أي بين معرة النعمان وخان شيخون على الطريق الدولي نفسه، وذلك بالتزامن مع تقدم قوات النظام وسيطرتها على خان شيخون. المشهد نفسه بحذافيره يتكرر اليوم، تقوم الطائرات الروسية والسورية بتدمير كل شيء، بما في ذلك المستشفيات والمرافق الحيوية، حتى تصبح الحياة مستحيلة في مناطق بعينها، وينزح المدنيون منها نحو الشمال والغرب. ثم تتقدم قوات النظام تحت وابل من القذائف والغارات لتسيطر على المدن والبلدات والقرى بعد معارك مع الفصائل المناوئة للنظام، تاركة نقاط المراقبة التركية وراء ظهرها، فيما يواصل المسؤولون الروس والأتراك حديثهم عن إدارة «خفض التصعيد» في المنطقة، وكأن حرب التهجير البربرية هذه تحدث في كوكب آخر، وليس في المنطقة التي يتحدثون عنها نفسها.

ولمن لا يعرف، فإن نقاط المراقبة التركية هذه كان قد تم إنشاؤها تباعاً منذ أواخر العام 2017، قرب الخط الفاصل بين قوات النظام والفصائل المناوئة له في محيط إدلب وأريافها، والهدف المعلن لها هو مراقبة خفض التصعيد وضمان منع الخروقات، وتتضمن كل واحدة منها استحكامات وتحصينات عسكرية وعربات مصفّحة ومرابض مدفعية. ولأن أحداً لا يُعلن للسوريين ما يجري في الكواليس الخلفية، فقد اعتقد سكان المناطق الخارجة عن سيطرة النظام أن وجود نقاط المراقبة التركية يحمي مناطقهم من اجتياح قوات الأسد لها، وهو ما دفعهم وقتها للترحيب بالقوات التركية والاحتفال بها.

لكن هذا لم يحدث، بل واصلت قوات النظام والقوات الروسية حملاتها العسكرية التدميرية المتعاقبة، وسيطرت على مناطق واسعة بعد تهجير سكانها في جنوب وشرق «منطقة خفض التصعيد»، ولم تفعل أي من نقاط المراقبة تلك شيئاً سوى الرد على مصادر النيران التي استهدفتها بشكل مباشر مرات قليلة. ثم تراجع الرهان على نقاط المراقبة التركية مع تطويق قوات النظام لنقطة المراقبة التركية في مدينة مورك بريف حماة الشمالي، ليصبح واضحاً أنه لا علاقة بين وجود نقطة مراقبة تركية وسيطرة قوات النظام على منطقة وجودها، إذ أن نقطة المراقبة التركية في مورك لا تزال على حالها حتى الآن، في منطقة سيطرت عليها قوات النظام تماماً، دون أن يكون معروفاً لأي أحد في الدنيا ما هو الهدف من استمرار وجودها هناك.

تكرَّرَ الأمر مجدداً مع نقطة المراقبة التركية في منطقة الصرمان إلى الشرق من معرة النعمان، التي باتت بالكامل داخل مناطق تسيطر عليها قوات النظام بعد تقدمها في المنطقة مؤخراً، ويوشك أن يتكرر الآن للمرة الثالثة مع نقطة المراقبة في معر حطاط، التي باتت قوات النظام تحيط بها في لحظة كتابة هذه السطور من ثلاث جهات.

عندما أنشأت القوات التركية نقطة معر حطاط على عجل صيف العام الماضي، اعتقد سوريون كثيرون أن ذلك سيعني منع قوات النظام من التقدم إلى معرة النعمان بعد سيطرتها على ريف حماة الشمالي وخان شيخون، إلى أن تبيَّنَ لاحقاً أن هذا الاعتقاد، الذي كان يشبه اختراع الأمل من لا شيء، لم يكن في محله على الإطلاق.

ولكن لماذا تنشئ القوات التركية نقطة مراقبة جديدة جنوب سراقب اليوم؟ لا نعرف بالضبط، كما أننا لا نعرف ما الذي تفعله نقاط المراقبة التركية الأخرى التي باتت قوات النظام تحيط بها من كل جانب، لكن الأكيد أن الهدف من إنشائها ليس منع قوات النظام من الوصول إلى سراقب، وليس مراقبة أي هدنة أو وقف إطلاق نار أو خفض تصعيد في المنطقة، والأكيد أيضاً أن مصير المنطقة برمتها رهينٌ بتفاهمات روسية تركية لا نعرف شيئاً موثوقاً عنها.

تقول بعضٌ من أكثر المعلومات شيوعاً إنه كان يقع على عاتق تركيا، بموجب التفاهمات مع روسيا، ضمان فتح الطرقات الدولية التي تعبر إدلب أمام الحركة التجارية تحت سيطرة تركية روسية مشتركة ومباشرة، لكن هذا ليس مقنعاً بأي حال، لأن أحداً لن يخوض حرباً كلفتها ملايين الدولارات من أجل طرقات دولية يمكن الاستعاضة عنها بغيرها. كذلك ليس مقنعاً الحديث عن أن هدف المعارك المتكررة هو تفكيك هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً)، بعد أن تخلّت الهيئة عن كل طموحاتها الجهادية الكبيرة، ولم تحتفظ بشيء من إرهابها إلا ما تستخدمه ضدّ المجتمعات المحلية، بهدف إخضاع السكان وترهيب المجتمع، المجتمع نفسه الذي تقوم قوات النظام والقوات الروسية بتدميره وتهجيره بذريعة «القضاء على الإرهاب».

لا نعرف ما هي التفاهمات الروسية التركية الضمنية إذن، لكن ما نعرفه أن هذه الحرب الهمجية تستهدف المجتمعات المتمردة على حكم الأسد في الشمال السوري، ولدينا عشرات الأدلة على ذلك، أبرزها أرتال النازحين الفارين من جحيم الأسد، التي لا يتجّه أيٌّ منها نحو مناطق سيطرة النظام، بل تتجه كلها إلى المناطق التي لا تزال خارجة عن سيطرة النظام، ليبدو المشهد كما لو أن ثمة طاعوناً قاتلاً ينتشر، ويدفع الناس إلى أن يهيموا على وجوههم في السهول والتلال طلباً للنجاة بأرواحهم.

في الصورة أعلاه، التي نشرها ليث العبدالله، المتطوع في الدفاع المدني السوري في سراقب، على صفحته على فيسبوك يوم أمس، يظهر نازحون قرب سراقب وقد تركوا سياراتهم وانتشروا في الأراضي الزراعية المجاورة، طلباً للنجاة بأرواحهم من النيران التي تستهدف أرتالهم، وهي صورة لا تحتاج إلى كثير من الشرح، تجري أحداثها في مكان غير بعيد عن نقطة المراقبة الجديدة التي تحدثت الأنباء عن عزم القوات التركية إنشاءها جنوب سراقب.

يوم أمس، دخلت قوات النظام إلى مدينة معرة النعمان بعد آلاف الغارات الجوية والقذائف الصاروخية والمدفعية، دخلتها بعد أن فرغت من سكانها، وبعد أن خاض المقاتلون من أبنائها وأبناء القرى المحيطة بها معارك طويلة غير متكافئة، في ظل التفوق النوعي الحاسم لسلاح الطيران الروسي. انتزعت روسيا معرة النعمان من يد أبنائها تحت رقابة نقاط المراقبة التركية، ودمرت مساحات واسعة منها وهجرت أهلها بذريعة مكافحة الإرهاب، وهي المدينة التي كان من بين مآثرها الوقوف طويلاً في وجه هيئة تحرير الشام وتسلطها وعنفها الدموي.

ستواصل دول العالم حديثها واجتماعاتها تحت عنوان مكافحة الإرهاب في سوريا، لكن أبناء إدلب ومعرة النعمان يعرفون جيداً أنهم يدفعون ثمن ثورتهم الشجاعة على نظام الأسد قبل أي شيء آخر، وهذه الصورة من معرة النعمان ربيع 2018 كافية كي تجيب على كل الأسئلة التي قد يطرحها أي أحد اليوم، أو في المستقبل، بخصوص أهداف الحرب الروسية الأسدية الإيرانية في سوريا.