نقد ذاتي بعد هزيمة حزيران

إلى روح فارس زرزور

 

على عكس معظم الناس، استطعت اختيار اسمي. لم يكن الأمر صعباً جداً، كما لم يكن بتلك السهولة. عندما جلست لأقرر، كان من السهل أن استبعد كل أسماء شعراء الجاهلية، فلا أحد يريد أن يُسمّى مالك بن الريب بالتأكيد؛ أسماء الثمانينات وبداية التسعينات الشهيرة لم تكن مطروحة على الطاولة طبعاً (شادي وفادي ورامي): أرجوك شادي لا تأخذ الكلام بطريقة شخصية، أظن أن رامي سيتفهم الأمر، فادي سيتقبّل اسمه إذا كان مسيحياً، إذا لم تكن مسيحياً، فادي، أرجوك غيّر اسمك.

يجب أن يساعد الاسم أيضاً في التعديل من الوقع الذي تتركه لهجتي الشاميّة. ولغير العارفين (يلي ما بيعرفني)، أخذتُ لجهتي الشامية من عائلات دمشق الفقيرة التي يعمل أبناؤها في الدكاكين والمهن، الشباب الذين يروجون لمحال الألبسة المختبئة في طوابق عالية في شارع الصالحية؛ أو أولئك الذين يعملون في ورشات خياطة في يلدا، مثلاً؛ الشوام الذين يسكنون القدم.. لا لا، عفواً، ليس أهالي الميدان الذين في القدم، أقصد أبناء حي العمارة والشاغور الفقراء، الذين يعملون في الحريقة؛ أو الباعة في سوق الشيخ محدّين (سوق الجمعة). منهم اكتسبت تلك اللهجة التي يبدو أنها غير متوقعة عندما تناقش مسرحية لجان جينيه أو أفكار ماركس، وهي حتماً تفاجئ أيَّ «بار-تندر» في المشرق، وبالتأكيد لا يُرحّب بها على مسامع أبناء عائلات دمشق الغنية، هؤلاء لهم لهجة أخرى تماماً.

اسم غير مناسب لهذه اللهجة قد يخفف من وقعها عندما أتعرف على شخص جديد، على أن يكون هذا الشخص من سوريا على الأقل، ففي لبنان -مهما فعلت- عندما أتحدث أبدو خارجاً من مسلسل شامي غليظ.

قبل ذلك، عندما كنت أمتلك فقط اسم شاعر جاهلي وكنية عربية سنّية (جداً)، كنت استخدم قصة جيدة، كانت ورقة رابحة في الحقيقة عندما يصبح أحدٌ ما مهتماً بالتعرف علي. لن أستطيع لعب هذه الورقة قبل ذلك، وبعد ذلك بفترة ما ستفقد فاعليتها. كان علي اختيار الوقت المناسب، لأبدأ بسرد القصة:

أمي من قرية صغيرة، كانت تضم ديراً كبيراً يتم فيه ترسيم رجال الدين المسيحيين، كنيتها السريانية تعني بالعربية خادم الكنيسة، لكن بسبب ظروف تاريخية تحولت عائلتها للإسلام.

لم أكن أذكر طبعاً أن رجال الدين هؤلاء كانوا أرثوذكس، أترك الأمر لخيال المستمع. أذكر عَرَضاً أن القرية على حدود لبنان، قد يُظن أنهم موارنة مثلاً. أمر جيد. أما العارفون بالتاريخ والجغرافيا فكانوا يعرفون... كنتُ أحسّ ذلك من نظراتهم الخبيثة.

سأحاول توضيح الفرق لمن لا يعرف عمّ أتحدث: لدي صديقة أمها مارونية من لبنان، وأبوها أرثوذكسي من سوريا. عندما تقدم والدها لخطبة والدتها قالت أمها حرفياً: «منعطيها لمتوالي وما منعطي أرثوذكس». «المتاولة» هو الاسم اللبناني القديم للشيعة الاثني عشرية.

تزوجا لاحقاً، لكن القصة مفيدةٌ لتوضيح الفرق.

كانت تلك الورقة كرتاً رابحاً إذا ما استُخدمت جيداً، بالإضافة إلى عدم ذكر أي شيء حول الأصل بالغ القِدم لعائلة أبي، والتي تنتمي لعشيرة عربية من ريف حلب. فإذا اضطررت، اذكر اسم قرية أبي في القلمون، ليس أبعد من ذلك. وإذا طلب أحد المزيد أقول له إن قرية أبي كانت مصيفاً لزنوبيا، كمزحة تنهي الحديث هنا.

ولأن القصة التالية مهمة جداً في كسر الحاجز الوهمي الذي تخلقه لهجتي، كنت أدعو أمي لتكرارها على الدوام. ففي أحد الأيام من شهر حزيران عادت سعيدةً من زيارة للضيعة، وكانت تحمل تفاصيلَ جديدةً من عمتها التي لم تلتق بها منذ زمن، وأصبح الأمر حدثاً مهماً بالنسبة لي.

شام ميكس

القصة، كما تقول، تبدأ من مسعود، رجل قدم إلى القرية من ريف حماة. لم يكن معروفاً لِمَ أتى، وربما هو ملاحق بثأر هناك. لكنه، على أية حال، استقر في الضيعة، وتزوج من عائلة أمي، وقُتل لاحقاً على أيدي أحد العمال الزراعيين الذين كانوا يأتون في المواسم من مناطق أخرى. ابن هذا الرجل، أي مسعود مسعود، اسمه مصطفى، وهو جد أمي الكبير، الذي أصبح زعيم الضيعة ومختارها.

للحظة، انهار العالم من حولي، فأمي لم تكن من أصل سرياني في الحقيقة. جدّها من ريف حماة. وبالتأكيد، لم أطلب منها أن تتابع، سأترك لخيالي الأمر، فقد يكون مسعود من إحدى قرى ريف سهل الغاب العلوية، لكنني في قرارة نفسي أعرف أن مسعود على الأغلب من كفرنبودة أو حيالين (وهي قرى سنية جداً).

لم أعد أروي القصة لأحد، وبالتأكيد لن أروي القصة كاملةً، بعد الآن.

حان الوقت لاختيار كرت رابح جديد. سأغير اسمي، ولأن مسعود هذا هو المسؤول عن كل ذلك، سأختار اسمه ليكون كنيتي الجديدة، كنية ريفية بسيطة، لا توحي بالكثير، وهي مناسبة حقيقةً.

بقي الاسم الأول. عليه أن يتوافق مع مسعود دون أن يكون مناسباً جداً له. القليل من البارادوكس هنا سيكون جيداً، يجعلني غامضاً... اسم حيادي، ريفي بعض الشيء، دون أن يتجاهله أبناء المدن؛ لن يكون من الأسماء الحديثة بالتأكيد، عليه أن يكون قديماً.

القصة الوحيدة التي رواها لي أبي عن والده، أو تلك التي أذكرها جيداً، حكاها لي عندما كنا أنا وهو جالسين أمام بيت جدي الطيني القديم في مزرعته، ننتظر وصول ابن عمي مع مفتاح البيت من القرية. وبينما كنا جالسين، روى لي أبي، ابن الستين عاماً، قصة، هي بالأحرى جملة عرضية، بعيون مرتعبة: «كان أبي يأكل أولاً، ثم تسمح لنا أمي بالأكل من المائدة». قال الجملة ثم استلقى لينام على كنبة معدنية موضوعة تحت شجرة قديمة أمام البيت.

عدا عن هذه القصة، وصورة بالأبيض والأسود لجدي وعلى خصره خنجر وعلى رأسه كوفية بيضاء، بجانب صورة عبد الناصر في بيت عمي، لا أذكر شيئاً آخر.

سأختار اسمه لأنه مناسب، وسأحرص على ألا يتذكره أحد. سيكون اسمي الأول يحيى إذن.

يحيى مسعود. اسم جيد. الآن تخيلوا معي شخصاً يتكلم لجهة شامية مثل سليم كلاس ويحمل اسم يحيى مسعود.

آه، صحيح. يمكنني استخدام هذه القصة: في أحد المرات قال لي بروفيسور في علوم الجينات إنه من المرجّح أن يكون أصلي يونانياً.

الآن، مرة أخرى أرجوكم، تخيلوا معي شخصاً اسمه يحيى مسعود، من أصل يوناني، ويتكلم مثل سليم كلاس أو عدنان بركات.