هل تنقلب المواقع على تخوم إدلب؟

 

يشكّل التقدم الذي حققته فصائل المعارضة خلال الأيام القليلة الماضية، على قريتي تل ملح والجبين بريف حماه الشمالي، نقطة تحول في المعارك التي لم تهدأ منذ أكثر من شهر، بالكاد استطاعت قوات النظام خلاله الحفاظ على مواقع تقدمها في بلدة كفرنبودة وعدد من القرى والتلال إلى الشمال منها، بينما تشكّل الموجة الثانية من الهجوم الذي بدأته فصائل المعارضة نهاية الأسبوع الماضي، ضغطاً خطيراً على مواقع النظام ونقاط التمركز والمراقبة الروسية في المنطقة.

وذكر تقرير لموقع المدن أن القوات الروسية الخاصة تشارك الآن في العمليات على محاور القتال بريف حماة، وذلك بعد استقدام 500 عنصر من قاعدة حميميم، وهو ما يؤكد مدى أهمية هذه المعركة بالنسبة لروسيا، خاصة أن أحد الأهداف المعلنة للعمليات التي بدأها النظام بدعم روسي بداية الشهر الماضي، كان تأمين الحماية للقواعد الروسية، التي باتت مهددة اليوم أكثر مما كان عليه الحال عند بداية المعركة.

وتدور المعارك الرئيسية الآن إلى الجنوب من بلدة كفرنبودة، في محور يتوسط كل من بلدتي محردة والسقيلبية، ويوحي تركيز هجمات الفصائل على قرية الجلمة بشكل رئيسي أنها ربما تفكر بالتوجه نحو قرية حيالين الغاب، التي تعرضت مواقع النظام فيها إلى قصف متكرر بصواريخ الغراد والمدفعية، والتي ستشكل سيطرة فصائل المعارضة عليها، إذا ما حصلت خلال الأيام القادمة، انقلاباً في معادلة المعارك، إذ سيكون من السهل على الفصائل قطع الإمداد عن قوات النظام التي تتواجد في كفرنبودة والمواقع المجاورة، ما قد يجبر الأخيرة على الانسحاب من المواقع التي تقدمت إليها هناك، كما ستسمح للفصائل باستهداف المواقع الروسية بقذائف المدفعية المتوسطة، وبالتحديد الثكنة العسكرية الروسية التي تضم نقطة مراقبة في تل صلبا قرب حيالين.

وعلى الرغم من التغطية النارية الكبيرة التي يوفرها الطيران الروسي وطيران النظام، إلا أن ذلك لم يسمح لقوات النظام بتحقيق تفوق حقيقي حتى اللحظة، على الرغم من التقدم الذي حققته في أيام المعارك الأولى نتيجة تأثير الصدمة، لكن يبقى أن امتلاك قوات النظام لعنصر التفوق من الجو، يسمح لها بإبطاء تقدم مقاتلي المعارضة خاصة في المناطق السهلية المفتوحة، وربما يسمح لها باستعادة بعض ما خسرته من مواقع.

خريطة معارك ريف حماه الغربي

خريطة معارك ريف حماه الغربي

وأياً يكن المدى الذي تسعى الفصائل للوصول إليه في معاركها، فإن نجاحها في تثبيت سيطرتها على المواقع التي تقدمت إليها، وفي تحقيق مزيد من التقدم إلى تخوم المعسكرات الروسية، سيعني عملياً انقلاب المواقع في الميدان، من خلال تعزيز قدرة الفصائل على اختيار ساحات العمليات المناسبة لها. ويشير تتبع مسار المعارك إلى أن قوات النظام تتجنب فتح معارك على محاور تصطدم مباشرة بنقاط المراقبة التركية، مع تطبيق ضغط مباشر على هذه النقاط على غرار ما حصل في المعارك قرب نقطة المراقبة التركية في شير مغار بريف حماة الغربي، وهو الأمر نفسه الذي تفعله فصائل المعارضة اليوم، إذ تتقدم في محاور تتجنب الاصطدام المباشر مع النقاط الروسية، مع الضغط عليها ووضعها تحت التهديد.

بهذا المعنى، فإن المعركة التي تخوضها فصائل المعارضة اليوم تدفع إلى استعادة التوازن بين الضامنين الروسي والتركي، بعد أن كانت الكفة ترجح لصالح روسيا خلال مراحل المعركة الأولى، وسيؤدي استمرار تقدم الفصائل أو احتفاظها بمواقعها على الأقل إلى وضع روسيا في موقف حرج، ذلك أنها ستكون مضطرة إلى عقد تفاهمات جديدة مع تركيا، أو الاستمرار في معركة استنزاف طويلة دون أفق واضح.

لم يعد هناك شك في أن المعركة الحالية في الشمال السوري ترتبط بالتوازنات الدولية في المنطقة، إذ تسعى روسيا إلى الضغط على تركيا بهدف قطع الطريق على التقارب الأميركي التركي، وإذا كان ثمة خطوط حمراء ضمنية تتعلق بأمن القوات التركية والروسية في سوريا، فإن هذه الخطوط قد تكون عرضةً للتجاوز إذا قامت أنقرة بإلغاء صفقة شراء صواريخ إس-400 من روسيا نزولاً عند رغبة واشنطن، إذ تشكل هذه الصفقة على ما يبدو العائق الأكبر أمام عودة أنقرة وواشنطن إلى بناء تحالفهما من جديد وبشكل أوسع، وقد يكون خيار إتمام الصفقة، وعدم استعمال أو نشر هذه المنظومة والاكتفاء بتخزينها، خياراً مريحاً لأنقرة، إلا أن الولايات المتحدة تُظهر تشدداً واضحاً في هذا الأمر، على نحو قد لا يسمح بمثل هذا النوع من الحلول الوسط.

تواجه أنقرة خيارات بالغة الصعوبة في هذه اللحظات، فهي لا تستطيع أن تغامر بتخريب علاقاتها بالكامل مع واشنطن، بل يبدو أنها تسعى إلى استعادة تحالفاتها القديمة معها بأبعادها الجيوستراتيجية الكبرى، لكن بالمقابل فإن إلغاء صفقة الصواريخ الروسية قد يعني انهيار التفاهمات مع موسكو نهائياً، ما سيجعلها في مواجهة ربما تشمل حتى المواقع التي تسيطر عليها شمال مدينة حلب، مع ما يحمله ذلك من تغيير في نوعية ومدى العمليات الروسية في سوريا.

يعني ما تقدم إذن أن مآلات معارك الشمال السوري اليوم رهينة بالصراعات الدولية والإقليمية، لكن هذه الصراعات لا تفسر ما يجري على الأرض وحدها، ولا ينبغي أن تقود إلى عبارات من قبيل أنها حرب الآخرين على أرضنا، ذلك أن النظام في الواقع لا يقاتل من أجل روسيا، بل لأنه يريد إرغام العالم على الاعتراف به مجدداً من خلال السيطرة على آخر معاقل المعارضة. كذلك لا تقاتل فصائل المعارضة في ريف حماة الشمالي من أجل تركيا، بل يدافع أبناء أرياف حماة وإدلب وحلب والمهجرون إليها عن أنفسهم، يدافعون حرفياً عن بيوتهم وقراهم في مواجهة التهجير والاحتلال الأسدي.