هل يمكن الصفح عن جرائم ضد الإنسانية؟

 

تتكرر التقاطعات بين الموضوعات التي اختار الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا (1930-2004) الكتابة عنها ومعالجتها، وبين التجربة السياسية والاجتماعية التي تعايشها سوريا. في كتابه تاريخ الكذب (المركز الثقافي العربي، 2016، ترجمة رشيد بازي)، اختار دريدا الكتابة عن العلاقة بين السلطات السياسية وممارسة الكذب، مُركّزاً على الاعتذارات الرسمية التي تقدمها الدول عن الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها في ماضيها، ومنها اعتذار الرئيس الفرنسي جاك شيراك الذي حكم فرنسا من 1995 وحتى 2007، بصفة رسمية، بالذنب الذي اقترفته الدولة الفرنسية، أي مسؤوليتها عن ترحيل عشرات آلاف اليهود وقت الاحتلال النازي. يفتح كتاب تاريخ الكذب الوعي للتفكير في احتمال قيام جميع الدول والأنظمة التي ساهمت بسفك دماء السوريين بالاعتذار الرسمي منه، وتقديم التعويضات للضحايا.

في كتابه المترجم الجديد الصفح: ما لا يقبل الصفح وما لا يقبل التقادم (دار المتوسط، 2018)، يتطرق دريدا إلى موضوعة الصفح التاريخي، والتي أيضاً نتلمس علاقتها مع التجربة السورية اليوم. هل يمكن الصفح عن جرم تاريخي؟ متى يتم ذلك؟ وكيف؟ وما هو تعريف الصفح أساساً؟ وهل من شروط؟

الصفح لغوياً

في مقدمة الكتاب، يعرّف المترجمان مصطفى العارف وعبد الرحمن نور الدين «الصفح» بأنه «تصرف أخلاقي واعٍ ومسؤول، يقوم به شخص ما، سبق أن كان ضحية إساءة، أو أذى، أو جريمة، تجاه الجاني. ليس هذا التصرف بجديد. إذن هو قديم قدم النزاعات والحروب البشرية، وهو عنصر أساسي في العلاقات الشخصية. ولقد تناولته الأنساق الأخلاقية كلها، وحاولت تحديد شروطه وفوائده. كذلك تناولته الأديان، وتطرقت إلى الأفعال الإنسانية الشريرة، كذنوب، تستوجب الإستغفار والتوبة والتكفير».

يتابع المترجمان في مقدمة الكتاب التطرق إلى مفهوم «الصفح» من باب اللغة العربية: «ليس بخافٍ على مستعملي اللغة العربية أن فكرة الصفح في اللسان العربي تتحرك ضمن شبكة من المفردات – معذرة، مسامحة، سماح، عفو، إعفاء، استغفار، غفران، مغفرة، تكفير عن الذنب، توبة – ذات الحمولة الدينية، والتي تُحيل في نهاية المطاف إلى صفح الإله الغفور. كذلك تفيد كلمة صفح باللغة الفرنسية pardon إلى ’الغفران‘ الذي تمنحه الكنيسة، وإلى المغفرة الإلهية والعفو. كما تعني «المسامحة والصفح»، وفي استعمالات يومية معينة تأتي بمعنى ’عفواً، ومعذرةً، وأستمحيك عذراً‘».

الصفح تاريخياً

كل ما سبق يتناول الجانب اللغوي من المفهوم. لكن ماذا عن الممارسة التاريخية؟ هل من الممكن الصفح عن الجرائم ضد الإنسانية؟

نص دريدا هو قراءةٌ ومناقشةٌ لأطروحات الفيلسوف الفرنسي فلاديمير جانكليفيتش (1903-1985)، الذي طرح إشكالية «الصفح» في كتابيه الصفح (1967) وما لا يقبل التقادم (1986). في كلا الكتابين، يتحدث جانكليفيتش عن المحرقة النازية لليهود. وهو يميل إلى اعتبار المحرقة في عداد «ما لا يقبل التكفير» (inexpiable)، أي ما لا يمكن تجاوزه والتغاضي عنه بمجرد إقامة مصالحة وصُلْح ساذجين. وأمام هذه الجرائم، يرى جانكليفيتش أن على الذاكرة أن تبقى متّقدة وحيّة وشاخصة إلى الماضي، مستشهداً بما كتبه الشاعر الفرنسي بول إيلوار (1895-1952): «لا يوجد خلاص على الأرض ما دمنا نستطيع الصفح عن الجلادين».

إذن، برأي فلاديمير جانكليفيتش لا يجوز الصفح بأي شكل من الأشكال عن الجرائم التي ارتُكبت ضد إنسانية الإنسان، ضد ما تكون به إنسانية الإنسان. فيكتب جانكليفيتش مثلاً: «مات الصفح في معسكرات الموت». لكن هل موت الصفح هو الرأي النهائي لجانكليفيتش؟

يوضح دريدا أنه يجب التعامل مع فلاديمير جانكليفيتش باعتباره ضحية، فهو نموذج مثالي لتلمس الصراع الداخلي عند الضحية، بين رغبتها أن يتوقف تاريخ الصفح، لكن وفي الوقت ذاته تلمسها بالأمل والصدق أن يستمر التاريخ، وأن يكون الصفح والمصالحة ممكنَين للجيل الجديد. أما جانكلفيتش نفسه فلن يقدم على الصفح، ولن يكون هو من يصفح عن جرائم ضد الإنسانية، لكنه يتمنى أن تصفح الإنسانية عن ماضيها بالاستمرارية.

يمكن هنا أن ندرج رأي الفيلسوفة حنا أرندت (1906-1975) في كتابها شروط الإنسان الحديث، والذي تربط فيه بين الصفح والمعاقبة لتقول: «يعد العقاب إمكانية أخرى، غير متناقضة، بأي حال من الأحوال؛ إنه يشترك مع الصفح في كونه يحاول وضع حد لشيء».

الصفح فلسفياً

ثمة تمييز يقيمه دريدا بين الصفح وبين مفاهيم تنخلط معه غالباً مثل الغفران، التوبة، العفو، الاعتذار، الندم… إن هذه المفاهيم تختلف عن الصفح، لأن الصفح ليس مفهوماً سياسياً، ولا قانونياً، ولا تشريعياً، ولا حتى دينياً. يجب تحرير الصفح من القواعد والحسابات السياسية، فالصفح يجب أن يكون غير مشروط. يكتب دريدا: «كلما كان الصفح في خدمة غائية، حتى لو كانت نبيلة وروحية – إعتاق، افتداء، مصالحة، خلاص – يعود ثانيةً ليستعيد الوضع الطبيعي».

يشدد دريدا على أنه لا ينبغي للصفح أن يكون طبيعياً ومعيارياً أو تطبيعياً، بل عليه أن يظل استثنائياً وخارقاً وعلى احتكاك دائم مع المستحيل. ويقف دريدا على حجتين من بين حجج جانكيلفيتش، يشدد عليهما:

الأولى أنه لا يمكن منح الصفح، أو على الأقل لا يمكن تخيل إمكانية منحه، إلا إذا كان الصفح مطلوباً، وهو يجب أن يُطلب بطريقة صريحة أو ضمنية. فلن يصفح المرء عن فرد إلا بإقرار الأخير بخطئه، بندمه، وبطلبه الصفح صراحة.

أما الثانية فهي أنه عندما تكون الجريمة شنيعة جداً، وتكون متجاوزة لخط الشر الجذري، أي حين تتجاوز الجريمة ما هو إنساني، لا تعود هناك إمكانية للصفح، لأن الصفح يأتي من حدود ما هو إنساني.

حقيقة مستحيلة لِهبة مستحيلة

يشدد دريدا على ضرورة التمييز بدقة وصرامة بين ما لا يقبل الصفح من جهة، وما لا يقبل التقادم من جهة أخرى. التقادم مفهوم قانوني. وهذا يقودنا إلى ضرورة التمييز أيضاً بين ما يستحيل جبر ضرره، وما لا يمحى، والعضال، وما لا رجعة فيه، وما لا ينسى، وما لا يلغى، وما لا يقبل التكفير. فيكتب: «يمكن أن يكون الصفح مأمولاً على الدوام، مفترَض المجيء، كما يمكنه أن يكون مؤجلاً إلى حد اليأس».

يكرر دريدا التشديد على ضرورة طلب الصفح، «الاستصفاح» بطريقة واضحة، بحيث يكون طلب الصفح قد استُقبل بوضوح من قبل متلقّي الطلب. ويؤكد على ضرورة ممارسة الاستصفاح، أي طلب السماح، وهو يربطها بالعدالة، فيكتب «يتوجب عليَّ الاستصفاح لكي أكون عادلاً».

ينهي دريدا محاضرته-كتابه بتطبيق ذكي لنظريته عن الصفح، فيشكر مستمعيه-قراءه، ويطلب منهم الصفح على ما أدلى به، ويعتذر إن لم يكن قد أرضى ذائقتهم. وهي كلها أساليب تنتهي بها المحاضرة-النص المكتوب، لتشكل تنويعات على الاستصفاح أو طلب الصفح، مبيناً أنها ممارسة إيجابية وذكية.

ووفقاً لتحليل دريدا، فإن المسامحة التاريخية في الجرائم السورية تتلطب شروطاً، أولها أن يُطلب الصفح بوضوح من قبل مرتكِبي الجرائم، وأن يصل طلب الاستصفاح إلى الضحية بطريقة واضحة ومباشرة، وأن يتحقق العقاب العادل بحسب رأي حنا أرندت، وأن يؤمن المجتمع بضرورة الاستمرارية – وفق رأي جانكليفيتش – وأن يؤمن الجميع بما ردّده دريدا مرة بعد أخرى: «يتوجب علينا طلب الصفح لكي نكون عادلين».