واشنطن إلى ما بعد «أستانا»

 

أعلنت الولايات المتحدة الأميركية عن إرسال تعزيزات عسكرية جديدة إلى الشرق الأوسط، وذلك في ظل تنامي التصعيد بينها وبين إيران، إذ قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب أول أمس السبت إن عدد الجنود الإضافيين الذين سيتم إرسالهم يصل إلى ألف وخمسمئة جندي، في وقت تتضارب فيه المؤشرات بين استمرار التهديدات المتبادلة بين واشنطن وطهران من جهة، وحديث دبلوماسيين عرب عن بدء المفاوضات بينهما من جهة أخرى.

وفي الوقت الذي تحاول فيه واشنطن ضبط إيقاع التوتر في منطقة الخليج، تُظهر تسريبات صحفية قيامها بجهود مركزة للوصول إلى اتفاق بين أنقرة وقوات سوريا الديمقراطية حول الوضع في شرق سوريا، فقد نقلت صحيفة الشرق الأوسط عن مسؤولين أميركيين أن ممثلين عن قوات سوريا الديمقراطية، عقدوا لقاءات مع مسؤولين أتراك في الآونة الأخيرة «بهدف بحث مستقبل منطقة شمال شرقي سوريا والعلاقة بين الطرفين». وقبل ذلك، شكّلت تصريحات وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو بعد زيارته إلى سوتشي ولقائه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، مؤشراً على اقتراب أميركي من موسكو لدعم وتسريع العملية السياسية في سوريا.

بالنظر إلى الخطوات الأميركية الثلاث تلك؛ تشديد الضغط على إيران، ودعم حل في شمال شرقي سوريا يُرضي أنقرة، وتحفيز الروس على تسريع المسار السياسي؛ فإنه بالإمكان الحديث عن تعديلات طرأت على الاستراتيجية الأميركية في سوريا، التي لا يمكن القول إنها تغيرت تماماً، إلا أنها بدأت بتبديل أدواتها، خاصةً في ضوء التطورات الجديدة الناجمة عن القضاء على تنظيم داعش شرق البلاد، والتوجه للضغط بشكل موسّع على إيران.

وقد تكون إفادة المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا جيمس جيفري، التي قدمها في 22 أيار الجاري أمام لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس، التعبير الأوضح عن هذه التوجهات التي تتضمن التركيز على الوجود الإيراني العسكري في سوريا أكثر من أي وقت مضى. وقال جيفري في إفادته تلك: «لم يترك سلوك النظام الإيراني الخبيث أي خيار أمامنا سوى السعي إلى انسحاب كافة القوات التي تقودها إيران من سوريا بأكملها»، والواضح من عموم ما قاله جيفري وما أظهرته التحركات الأميركية الدبلوماسية في المنطقة، هو اعتماد خطة عمل متوازية للضغط على الأطراف الدولية الثلاث الفاعلة عسكرياً في سوريا، بهدف إخراج طهران عسكرياً من البلاد وترسيم شكل الدور الروسي والتركي في العملية السياسية بما يتوافق مع توجهات واشنطن؛ وإذا كان مسار أستانا رمزاً لمحاولة الدول الثلاث إنتاج حل سياسي يتوافق مع أهدافها الخاصة والضغط لقبول الولايات المتحدة به، فإن الأوضاع الأخيرة هي في الحقيقة بداية لوضع معاكس تقوم فيه واشنطن بترتيب العملية السياسية وفق الأولويات الأميركية، وذلك من خلال إدارتها للعلاقة مع كل من تركيا وروسيا بالتوازي مع إخراج طهران من المعادلة العسكرية في سوريا، بهدف منع أي طرف من تغيير التوازنات القائمة.

وإذا كانت الخطة الأميركية الجديدة تهدف إلى تحقيق حد أدنى من الاستقرار في سوريا، بما يتضمن القبول بدور روسي من منطلق «براغماتي»، فإن المناورات الروسية الدائمة في الملف السوري، وعدم وفاء موسكو بالتزاماتها كما أكد المسؤولون الأمريكيون بأنفسهم، لا يترك المجال لكثيرٍ من الثقة بين الطرفين، لكن التحولات الأخيرة في الأوضاع الميدانية في سوريا، وفشل موسكو في تحقيق انتصار واضح في إدلب رغم كثافة القصف الذي نفذته طائراتها والمجازر وعمليات التهجير الواسعة، تبدو تعبيراً عن عجز روسيا لوحدها عن تغيير وقائع الميدان بشكل حاسم.

في الوقت نفسه تعاني الميليشيات المدعومة إيرانياً من وضع معقد، فهي تنتظر أوامر لبدء عمليات ضد الأهداف الأميركية في المنطقة إذا ما اختار المرشد الأعلى الحرب بدلاً من التفاوض، ما يمنعها من الدخول في عمليات واسعة في سوريا، بينما تواجه في الوقت ذاته آثار العقوبات الأميركية على إيران، وتراجع مصادر تمويلها، ما يقلل قدرتها على حشد العناصر لعمليات كبيرة.

هذه الأوضاع الميدانية في سوريا، التي كانت أحد نتائج العقوبات الأميركية على طهران، ستساهم في تقليل قدرة روسيا على الانسحاب من تعهداتها المتعلقة بدعم المسار السياسي، وكذلك في تقليل قدرتها على التوجه نحو الحسم العسكري، ويضاف إلى ذلك الأزمة الاقتصادية في مناطق سيطرة النظام، المترافقة مع غياب أية بوادر لتمويل إعادة الإعمار وبالتالي تثبيت انتصار موسكو والأسد فوق أنقاض مدن البلاد المدمرة، إذ تعرف روسيا أنها لا تستطيع الاطمئنان لاستقرار الأوضاع في مناطق سيطرة النظام، دون الاعتراف الدولي وتمويل إعادة الإعمار.

بالنتيجة، تسعى الولايات المتحدة إلى أن تكون هذه الأوضاع الجديدة ضمانة لالتزام موسكو بتعهداتها، باعتبار أن الأخيرة ستواجه أوضاعاً شبه مستحيلة على المدى الأطول من دون الاعتراف الأميركي والدولي بنفوذها في سوريا، وهو الأمر الذي ينطبق أيضاً على أنقرة، التي تبدو الآن أقرب من أي وقت مضى إلى الوصول لتفاهمات مع واشنطن.

على الرغم من الحديث عن بدء المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة عبر وساطة عُمانية، إلا أن احتمالات التصعيد قائمة حتى اللحظة، وتحت ظلال هذا التوتر في منطقة الخليج، يبدو أن الإدارة الأميركية أصبحت تعطي للأوضاع في سوريا أهمية أكبر، كجزء من المواجهة مع إيران، الأمر الذي قد تكون نتائجه تغيير ترتيبات وتوازنات سيطرت لسنوات على الوضع السوري، وعلى رأسها العلاقة الدقيقة بين كل من إيران وتركيا وروسيا كما تجسدت من خلال مسار أستانا، والتي يبدو أنها اليوم تواجه نهاية شبه حتمية.