ولاد الكلب

 

قال أبي متوسلاً: لا تروّحينا..

غير عابئين بنا، تَرَكَنا عناصرُ حاجز الكراج الشمالي نعبره من دون أي سؤال يذكر، كنا أنا والسائق وفتاة أخرى نركب سيارة أجرة في طريق عودتنا من مدن ريف حمص الشمالي. على مقدمة السيارة، علَّقَ السائق عنقود عنب زجاجي صغير، ومِسبحة من حبّات بلاستيكية شفّافة بألوان العلم السوري، ومصحفاً صغيراً. العناصر يتثاءبون، ووجوههم حمراء لفحتها الشمس. كان التدقيق على الداخلين لمدينة حمص يختلف بحسب هوية الداخلين وملامحهم ونمرة سيارتهم. يدأب النظام على التدقيق على الداخلين إلى مدينة حمص خشية من أي تفجير في الكراج أو في المدينة. كان ذلك الحاجز الوحيد الذي اجتزناه في طريق عودتنا من مدن الريف الحمصي «المحررة» منذ ما يقارب السنة، أما في طريق ذهابنا إليها منطلقين من مدينة حمص، كان الطريق سالكاً تقريباً، باستثناء حاجز طيار صادفناه على الطريق، وحاجز على مدخل كل مدينة لم نتوقف عنده حتى. لا بد للعابر في طريق الريف الحمصي الشمالي من الانتباه لبعض المحطات على الطريق.. الرائحة النفاذة الصادرة من معمل السكر؛ الشاحنات المعبئة بالحبوب؛ كشك الشهداء؛ حسينية صغيرة على طرف الطريق، عُلِّقت على نوافذها أعلام حمراء كُتبت عليها صرخة واحدة: يا حسين. حملتُ هاتفي لأصور ما رأيت، لا سيما الحسينية والأعلام الحمراء، فقرصتني الفتاة التي بجواري، ورمقني السائق بنظرة من المرآة الأمامية، قلتُ له: سيلفي، ثم عكستُ الكاميرا الأمامية على هاتفي، ورأيت وجهي يحتل كامل شاشة جوالي. لم أستطع الابتسام.

على جدران مدينتَيّ تلبيسة والرستن، تظهر حروب الطلاء ورداءة صنعة مستخدميه، الطلاء يأخذ منحى متصاعداً وهابطاً، ليمحي شعارات ولعنات كتبها أناس سكنوا المدينتين ذات يوم. ولسبب ما، ترك الجيش تحية تركها أصحاب كتيبة أبو علي على جدار في مدينة تلبيسة، يقول الجدار: «كتيبة أبو علي كانت هنا». الكتائب كانت كثيرة، وجلّها كانت من أبناء المدينتين، تذكرتُ عبارة «لك وين العالم» الشهيرة، التي كتبها أحدهم يوماً على جدران حي الحميدية قبل تهجيره، والتي لسبب ما أيضاً، أبقاها الجيش ولم يمحِها. تبدو آثار النكبة واضحة على المدينتين، وعلى سيماء أهلهما، الحزن مكثف وظاهر، وكأن حزن مدينة حمص وحدها لا يكفي، ليمتد مكانياً وصولاً إلى ريفها.

صرخَ أبي: لا تبهدلينا..

نظر إليّ بعض الرجال العجائز، وبعض السيدات اللواتي يجلسن أمام بيوتهنّ باستغراب. كنتُ لا أزال أتجول في مدينة تلبيسة وأستكشفها للمرة الأولى، بيوت واطئة، شوارع طويلة وفارغة، لون رمادي يطغى على المكان، بعض الأطفال الحفاة، ورجال قلائل يجلسون أمام بيوتهم يشربون المتة؛ المتة مشروب مفضل في الريف الحمصي. «لك وين العالم؟»، ظلت العبارة تتردد في أذني بأصوات غائبة كثيرة. قال لي الرجل الذي اشتريت من عنده بعض الحاجيات: «عمي تريدين برغل؟ طيب تريدين طحين؟ يا حجّة اسقيها ماء». الحجّة تجلس مع بعض السيّدات مثل تمثال أمام الدكان الصغير، شكرتُ الرجل ورفضتُ الماء، فحلف بالله العظيم بأن عليَّ أن أشرب الماء، وزاد عليها أن فتح لي زجاجة مياه غازية، كان سعرها 50 ليرة، لم يعد أحد يبيع مثلها في مدينة حمص منذ سنوات. البضائع في المحال قليلة، والشارع الرئيسي الوحيد في المدينة توجد فيه محلات معدودة، الحركة بطيئة، وكأن المدينة استسلمت في الأمس؛ قالت سيدة فقدت زوجها وطفلها جراء القصف: كان على المدينة أن تستسلم، في الليلة التي هدّدنا فيها النظام بسحق المدينة بالطائرات، وافق الجميع على «المصالحة»، وخرج الذين رفضوها إلى الشمال.

نظر أبي إليَّ بوجه غاضب وعيون حمراء وقال: تريدين أن تضعي رؤوسنا في الأرض؟

وضع العسكري ظِفر إصبعه البنصر على أسنانه الخلفية، ثم نظَّفَ بواسطته بقايا الطعام منها، وهتف بصوت خشن: «أهل الرستن أحقر ناس على وجه الأرض». كان العسكري من مدينة الرستن نفسها، وهو يخدم الآن في درعا؛ لم أنبس بحرف، تابع العسكري كلامه بوجهه الأسمر المتجهم: «خونة، كلهم خونة، ولاد كلب، أنا من أهل الرستن، وأنا أيضاً ابن كلب».

معظم الشبان المتبقين من أهل الرستن تطوعوا في الجيش، أو ذهبوا للخدمة، أو ذهبوا احتياط. الدمار جليٌّ في المدينة التي يقسمها الأهالي إلى قسمين: الرستن الفوقاني، والرستن التحتاني. وهناك أيضاً مزارع الرستن الشاسعة التي اختبأ فيها معظم الأهالي أثناء القصف. قالت بعض النسوة إن أهل الرستن التحتاني أكثر فقراً من الرستن الفوقاني، وقال رجل في الأمن السياسي: «لا تصدقوهم، كل أهل الرستن مليانين، كلهم لديهم أموال مخبأة، وكلهم لديهم أراض زراعية». استمعنا بانتباه لرجل الأمن الذي كان صديقاً لسائقنا، لم يكن من مدينة الرستن. ينحدر من ريف حماة. تذمَّرَ طويلاً من طول الطريق يومياً عليه من قريته إلى «مكان عمله»، وبدا أن اختيار الرستن للعمل فيها لم يكن قراره. الأعلام الحمراء ترفرف على المرافق الحكومية التي جرى تأهيلها ببطء منذ تهجير الأهالي منها. الدمار أكثر وضوحاً في المدينة منه في مدينة تلبيسة. عانت المدينة كثيراً، هذا ما تقوله الأبنية الواطئة المهدمة هناك. قالت سيدة يمسك بطرف ثوبها أطفالها الحفاة: «أمضينا ليال سوداء في الملجأ، يلعن أبوهم كنا عايشين أحسن عيشة». ينحدر من مدينة الرستن الكثير من الضباط المقربين للنظام، لذا كان الانتقام من أهل المدينة أشدّ، قال العسكري «ابن الكلب»: «نحن كنا قرداحة ثانية، لكن أهالي الرستن انقلبوا على النظام، كلهم انقلبوا عليه، كلهم انقلبوا بلا استثناء، الخونة».

تنهدت سيدة ترتدي السواد وقالت: «الوقت الوحيد الذي أنسى فيه مصائبي، حين أذهب إلى البانوراما، كان بيتي بجوار السد، إطلالته تردّ الروح، أصبح البيت على الأرض». قلتُ للسائق: «خذني إلى السد»، لكنه رفض وقال: «يا عمي الحاجز هناك لن يتركنا وشأننا، وسيتسلى بنا، اسمعي مني، بلاها». كان ريف حماة مشتعلاً وقتها، والتوتر على أشده، لكن في الأوقات العادية لا يتدخل الحاجز عند السدّ بأحد، والسدّ الذي استطعتُ النظر إليه من نافذة مفتوحة لبيت مدمر، بدا مغرياً إلى حدّ لا يوصف. أقسمت سيدة أغلظ الإيمان بأنها لا تملك خبزاً في بيتها، وبأنها استدانت 500 ليرة لتطعم أطفالها. الزوج مات في القصف، والأهل سافروا للشمال، لا معيل للسيدة وأطفالها الخمسة.

يتحدث الناس عن القصف وكأن من قام به كائنات فضائية مجهولة، بينما كثير منهم يقولون إن داعش هي من قتلت أبناءهم وأهلهم. داعش هنا هي المتهم الذي لن يجادل به أحد. تجرأتُ وسألتُ سيدة عن عدم تواجد الجيش داخل المدينة، قالت بأن «لجنة المصالحة هي المسؤولة الآن». كان جوابها مقتضباً، الجرأة ليست في مكانها الآن، لا مكان سوى لطأطأة الرأس والردّة عمّا كان. وكما الحال في مدينة تلبيسة، وسيلة النقل الوحيدة للأهالي داخل أحياء مدينة الرستن هي «الموتور». يمكن رؤية أطفال في التاسعة وأقل يركبون الموتورات ويوصلون أمهاتهم وأقرباءهم وأصدقاءهم، أو يركبونه للتسلية لا أكثر، كاد أحد الموتورات أن يصدم الفتاة التي معي، سائق الموتور كان طفلاً لم يتجاوز العاشرة، وشم على ذراعه اسم الفتاة التي يحبها، كما أكّد ذلك مفتخراً.

بدا أبي وكأنه سيبكي: ألا تخشين على أبيك وأمك العجوزين؟

كتب الطفل على الورقة «ضابت»، فصححت له المعلمة، «ضابط»، بالطاء، وليس بالتاء. كانت معظم الورقات المتبقية متشابهة، مع أخطاء إملائية مختلفة «ظابط، طابط، ظابت».. صححت المعلمة بإخلاص الأخطاء الإملائية جميعها. كانت تلك أماني الأطفال لما سيكونونه في المستقبل. وماذا يفعل الضابط يا أطفال؟ «يقاتل». كانت ورقة أحمد، الذي لا يعرف الكتابة، والذي استشهد والده تحت التعذيب، فارغة، سألته المعلمة: وأنت يا أحمد؟ فقال أحمد: «سأكون ضابطاً... مثل جدي».

قال أبي مستسلماً: تحمّلي وحدكِ مسؤولية ما قد يحدث إذن!

العينان الخضراوان تشعان في الوجه الأملح. صاحبة هذه العيون لم تتجاوز الخامسة عشرة، قالت إنها متفوقة، وإنها الثانية على الصف. توقَّعَ لها الجميع مستقبلاً باهراً، أخذت الفتاة الملحاء زميلتي على جنب وقالت لها هامسة: «لن أقدم التاسع هذا العام، أهلي خيروني بين ابن عمي، وبين ابن خالتي، لا خيار ثالث، ماذا أفعل؟». لا يوجد مزح أو مجازفة في الجواب الذي يمكن تقديمه لها، فلا زال كثيرٌ من الأهالي في المدينتين يزوجون بناتهنّ في هذا السن، مع الامتناع عن التعميم هنا، لا سيما بالنسبة لمدينة الرستن المشهورة بمحبة أهلها للعلم، وبكثرة المتفوقين بين أبنائها، إضافة إلى اشتهارها بصلابة نسائها. تضحك سيدة وتقول: «نحن معروفات بقوتنا، الرجال يخافون منا».

في مقابل من يتزوجنَ مبكراً، فإن معظم النساء اللواتي فقدنَ أزواجهنّ، أو اللواتي لا يعمل أزواجهنّ، يشتغلنَ «بالفاعل»، تقول الواحدة منهن:«مستورة الحمد لله، أشتغل بالفاعل لأطعم أسرتي، المشكلة أن العمل غير دائم».

أياديهنّ الخشنة، وأظافرهنّ التي تمتلئ حوافها بالسواد تثبت ما يقولون. تروي سيدة تُربي وحدها أطفالها الستة ما تعانيه لتصرف على أبنائها. تميل نحوي هامسة وتقول:«الله يخليكي لا تنقلي على لساني». ثم تروي كيف اختفى زوجها «المشقوق» من الجيش حين سلّم نفسه للأمن عندما أُعلنت المصالحة. ثم تتحدث عن بيتها المدمر، وكيف أن جسد ابنها مليء بالشظايا. ينظر الابن إلى الأم وكأنه لا يفهم ما تقول، تلمع عيون الأم ثم تقول فجأة: «الله يخلينا الرئيس فوق راسنا». تساءلتُ في نفسي إن كنت أبدو من طرف النظام، الكل يخشى من الكل هنا، لا مكان للثقة، ولا مكان حتى للفضفضة البريئة من أي انحياز.

أتلقى عزيمة على فنجان قهوة من إحداهنّ. البيت شبه مدمّر وعلى العظم، وأثاث البيت أقل من بدائي. من مكاني الواطئ هنا أستطيع أن أرى طريق M5، قلائل من يعرفونه بهذا الاسم. السيارات تمر دون انقطاع، رغم أنهم يومها قالوا إنه مقطوع. الأطفال يتجهزون للذهاب للمدرسة، المدارس مكتظة بالأطفال، تعداد أهل تلبيسة يقارب الثلاثين ألفاً، بينما تعداد أهل الرستن الآن يقارب الخمسين ألفاً. العديد من المدارس مدمّر، ويجري ترميم بعضها قبيل موعد المدارس. مررنا بما يدعى «شارع المدارس» في مدينة الرستن. الشارع فيه العديد من المدارس المتلاصقة المدمرة، كان يجب أن يضيفوا كلمة «المدمرة» إلى اسم الشارع. هناك بعض الورشات القليلة التي ترمم البيوت. ترميم البيوت ليس بالأمر السهل، كما هو الحال في كل مكان، فبالإضافة إلى تكلفته الهائلة، وعدم وجود أي جهة في الوقت الحالي تتحمل أعباءه الباهظة، فإن الأمر مقترن بإجراءات كثيرة، تتطلب المرور على جميع الفروع الأمنية، والتدقيق الشديد على جميع أفراد العائلة، لا سيما الشبان، وهي وسيلة اتخذها الأمن لجمع معلومات مفصلة عن الشبان الذين فاتهم أخذ معلوماتهم.

صمتَ أبي أخيراً، وأنا بدوري استسلمت.

تابع العسكري «ابن الـ…» قائلاً: «يعاملوني في القطعة أفضل معاملة، لم يعاملني أحد أفضل منهم. العسكري مقدس عندهم، لكن انظري إلى أين وصلنا، تفهمين عليّ صح؟، ضيعنا كل شيء، تفوو».

في الساعة الخامسة صباحاً عاد محمد، وهو عسكري متطوع، إلى البيت وهو يترنح سكراناً من سهرة الأمس. كانت والدته قد قضت بقذيفة أثناء اختبائهم أيام القصف، وكان والده قد خرج حديثاً من السجن، لأنه اتهم زوراً أنه لم يقم بالتسوية المفروضة على جميع من بقي، علماً أن الأب من أوائل من قاموا بها. استطاع أحد أصدقاء الأب، وهو من العلويين، التوسط للأب وإخراجه. لم يقل الأب شيئاً مهماً لابنه حين رآه سكراناً، فقط قال له: «ابق بعيداً عن أخواتك البنات وتخلص من رائحتك». اختفى الشاب بعد فترة، وقيل للأب أن «ولاد الحرام» أقنعوه بأن يحمل السلاح ضد الجهة الخطأ، ولكن الآن والده ومعارفه يسعون لإخراجه، وقد خرج فعلاً بعد فترة.

«المدينة ما زال فيها خلايا نائمة»، قالت امرأة تعمل في مدينة الرستن. ليس بالإمكان سؤالها عمّا يعنيه ذلك بالتفصيل، السؤال قد يكون تضليلاً للحقيقة التي فرضها الطرف المنتصر على الجميع. على مدخل مدينة تلبيسة كانت ورشة تقوم بتصليح لافتة تقول «أهالي مدينة تلبيسة يرحبون بالضيوف الكرام». تخيلتُ أن اللافتة ينقصها كلمة «أشباح» لتصبح أكثر إقناعاً: أشباح أهالي مدينة تلبيسة يرحبون بالضيوف الكرام.

في طريق العودة، وأثناء استماعنا لمّوال حزين لمطرب يدعى نعيم الشيخ، رأينا أمامنا سرفيساً أبيضَ تقول نمرته إنه من الرقة واقفاً على طرف الطريق. تجمع عناصر حاجز الكراج الشمالي حول السرفيس، أنزلوا من بابه الخلفي «موتور» من دون نمرة عليه. اصطحب عناصر الحاجز رجلين كانا بالسرفيس يضعان عقالاً على رأسيهما، قال سائق السيارة التي نركب فيها وكأنه يُحدِّثُ نفسه: «مشي حالهم، الموتور بلا نمرة، راحوا فيها». سحب عناصر الحاجز الرجلين بعيداً عن عيوننا، وتخيلنا ما الذي سيحدث لهما بعد أن «راحوا فيها».

خلال الزيارة القصيرة إلى المدينتين، لمسنا بوضوح أنه ليس من المحبّذ للغرباء التجوال فيهما، وكل خطوة وكل حديث جرى كان يتم بأشد درجات الحذر. للأمن عيون في كل مكان، في كل حائط وفي كل «خرّاقة». و يبدو، حرفياً، أنّ للجدران آذان، لكن الفضول الأكّال دفعني للتجوال. على مساحة محدودة نائية مليئة بمنازل مهدّمة كلياً أو شبه مهدّمة، كان بعض الأطفال يتقافزون دون خوف، ولم أكن أتخيل وجود كل هذه الأسر التي تسكن بيوتاً شبه مدمرة وعلى العظم في هكذا منطقة نائية. قفز كلب من أمامي واتجه إلى بيت «على الباطون» من طابقين، الطابق العلوي مدمر ومشرع للهواء؛ والطابق الأرضي نصفه مدمر. ظهر من البيت المدمر العسكري «ابن الـ..» فجأة وأصبح أمامي، في هذه اللحظة أربأ بالرجل وأربأ بنفسي من هذا الوصف الذي أطلقه الرجل على نفسه، وأستسمحه لاستخدامه لضرورة الإيضاح. كان العسكري إياه يرتدي ثيابا مهلهلة وخفّاً بلاستيكياً ويجر أطفاله خلفه. ابتسم الرجل وأرسل زوجته لتدعوني لدخول البيت، اعتذرت، سألت الزوجة كيف يستطيعون السكنى هنا، وكيف يحتملون برد الشتاء وحرّ الصيف؟ ابتسمت الزوجة وقالت «تعوّدنا». يأخذني شعور عارم بالإشفاق وأنا أنظر إلى ساقي الرجل النحيلتين المشعرتين وأطفاله المتشبثين بهما، وأفكر بأولاد الكلب الحقيقيين.

*****

في إحدى المساءات، مرّ رجل مسنّ يرتدي معطفاً ممزقاً سميكاً وسخاً ويحمل كيساً أسوداً وضخماً على ظهره، وقد أطلق لحيته وتطاير من عينيه الشرر. كان الرجل يشتم من «الزنار ونازل» الجيش والأمن ذاكراً أسماءَ بعينها. ظهر أحد رجال الأمن وصرخ عليه «ولاااك!» وانهال عليه بالضرب. تابعتُ المشهد وتأملتُ كثيراً في الحال التي وصلنا إليها. في هذه اللحظات كنتُ نسيتُ جهازي اللابتوب مفتوحاً، مرّ أبي بالمصادفة وشاهد عليه ماذا أقرأ، وماذا أكتب، امتقع وجهه، وتبدلت سحنته، ثم قال متوسلاً: لا تروحينا!

طمأنتُ أبي قدر استطاعتي، وكذبتُ بما يستطيع الكذب أن ينجيني من الموقف. أخبرته أن ما أقرأه لَهوٌ بين خبرين، وما أكتبه هرفٌ لا يستحق الذكر، ووعدته جازمة بأني لن أفعل شيئاً مما يخطر في باله...

لكن ذلك لم يكن.